فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 232

وَعُبَّادِهَا وَأُمَرَائِهَا وَأَجْنَادِهَا وَهُوَ مِنْ الْبَأْسِ الَّذِي لَمْ يُرْفَعْ مِنْ بَيْنِهَا؛ فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَدْلَ؛ فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِهِ. وَلِهَذَا كَانَ أَعْدَلُ الطَّوَائِفِ"أَهْلَ السُّنَّةِ"أَصْحَابَ الْحَدِيثِ. وَتَجِدُ هَؤُلَاءِ إذَا أُمِرُوا بِقِتَالِ مَنْ مَرَقَ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ ارْتَدَّ عَنْ بَعْضِ شَرَائِعِهِ يَأْمُرُونَ أَنْ يُسَارَ فِيهِ بِسِيرَةِ عَلِيٍّ فِي قِتَالِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ؛ لَا يُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ وَلَا يُغْنَمُ لَهُمْ مَالٌ وَلَا يُجْهَزُ لَهُمْ عَلَى جَرِيحٍ وَلَا يُقْتَلُ لَهُمْ أَسِيرٌ وَيَتْرُكُونَ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَسَارَ بِهِ عَلِيٌّ فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَسَارَ بِهِ الصِّدِّيقُ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ فَلَا يَجْمَعُونَ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ وَالْمَارِقِينَ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُسِيئِينَ؛ وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ مِنْ الْمُلُوكِ وَالْأَئِمَّةِ الْمُتَقَاتِلِينَ عَلَى الْمُلْكِ وَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. [1]

هذا مع أن أكثر الفقهاء قديما يعدون من خرج على أئمة الجور من أهل الصلاح والفضل؛ أهل الحق كالحسين بن علي وأهل المدينة الذين خرجوا على يزيد والقراء الذين خرجوا على الحجاج وعبدالملك؛ وأنه تحرم مقاتلتهم! بل من الأئمة من يرى وجوب الخروج معهم ومن الأئمة من يرى جواز الخروج معهم ومن الأئمة من يرى عدم الخروج معهم إلا أن الجميع يحرمون القتال مع أئمة الجور ضد من خرج عليهم من أهل الحق!!!

وكذلك يحرم قتال من خرج عن طاعة إمام جائر يريد سفك دمه أو أخذ ماله أو هتك عرضه وله أن يدافع عن نفسه وماله وأهله قدر طاقته!

كما يحرم قتال الخوارج الذين يكفرون المسلمين إذا خرجوا على إمام جائر مالم يقصدوا قتال المسلمين ويصولوا عليهم!

فقَد أَخرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَن عَبد الله بن الحارِث عَن رَجُل مِن بَنِي نَضر عَن عَلِيّ وذَكَرَ الخَوارِج فَقالَ: إِن خالَفُوا إِمامًا عَدلًا فَقاتِلُوهُم، وإِن خالَفُوا إِمامًا جائِرًا فَلا تُقاتِلُوهُم فَإِنَّ لَهُم مَقالًا. [2] .

(1) - مجموع الفتاوى (4/ 451)

(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (12/ 301)

وفِيهِ جَواز قِتال مَن خَرَجَ عَن طاعَة الإِمام العادِل، ومَن نَصَبَ الحَرب فَقاتَلَ عَلَى اعتِقاد فاسِد، ومَن خَرَجَ يَقطَع الطُّرُق ويُخِيف السَّبِيل ويَسعَى فِي الأَرض بِالفَسادِ، وأَمّا مَن خَرَجَ عَن طاعَة إِمام جائِر أَرادَ الغَلَبَة عَلَى ماله أَو نَفسه أَو أَهله فَهُو مَعذُور ولا يَحِلّ قِتاله ولَهُ أَن يَدفَع عَن نَفسه وماله وأَهله بِقَدرِ طاقَته. فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (12/ 301)

وقالَ آخَرُونَ: إِذا بَغَت طائِفَة عَلَى الإِمام فامتَنَعَت مِنَ الواجِب عَلَيها ونَصَبَت الحَرب وجَبَ قِتالها، وكَذَلِكَ لَو تَحارَبَت طائِفَتانِ وجَبَ عَلَى كُلّ قادِر الأَخذ عَلَى يَد المُخطِئ ونَصر المُصِيب، وهَذا قَول الجُمهُور، وفَصَّلَ آخَرُونَ فَقالُوا: كُلّ قِتال وقَعَ بَينَ طائِفَتَينِ مِنَ المُسلِمِينَ حَيثُ لا إِمام لِلجَماعَةِ فالقِتال حِينَئِذٍ مَمنُوع، وتَنزِل الأَحادِيث الَّتِي فِي هَذا الباب، وغَيره عَلَى ذَلِكَ وهُو قَول الأَوزاعِيِّ.

قالَ الطَّبَرِيُّ: والصَّواب أَن يُقال إِنَّ الفِتنَة أَصلها الابتِلاء، وإِنكار المُنكَر واجِب عَلَى كُلّ مَن قَدَرَ عَلَيهِ، فَمَن أَعانَ المُحِقّ أَصابَ ومَن أَعانَ المُخطِئ أَخطَأَ، وإِن أَشكَلَ الأَمر فَهِيَ الحالَة الَّتِي ورَدَ النَّهي عَن القِتال فِيها. وذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الأَحادِيث ورَدَت فِي حَقّ ناس مَخصُوصِينَ، وأَنَّ النَّهي مَخصُوص بِمَن خُوطِبَ بِذَلِكَ. وقِيلَ إِنَّ أَحادِيث النَّهي مَخصُوصَة بِآخِرِ الزَّمان حَيثُ يَحصُل التَّحَقُّق أَنَّ المُقاتَلَة إِنَّما هِيَ فِي طَلَب المُلك. فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 31)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت