جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» [1] وعَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَهُوَ مَرِيضٌ، قُلْنَا: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ، سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» [2]
وإذا اجتمعت كل هذه النظريات (الإرجاء والجبر والاعتزال والزهد والرضا بالبلاء وعدم مقاومته إلا بالدعاء) فلن تكون النتائج إلا على هذا النحو الذي تعيشه الأمة الإسلامية منذ قرون! فلم يكن سقوطها تحت أقدام جيوش المغول إلا نتيجة منطقية طبيعية لشيوع مثل هذه النظريات التي تحمل في طياتها بذور الموت والفناء لأي حضارة إنسانية تروج فيها ولأي أمة تدين بها وتعتنقها!!
سادسا: تعظيم بل الغلو في تعظيم طاعة السلطان وإضفاء هالة من القدسية عليه وويل شأنه مما لم يكن معهودا في عهد الخلفاء الراشدين الذين كانت الأمة تعاملهم على أنهم وكلاء عنها وأفراد منها لا يمتازون عنها بأي مزية إلا حق الطاعة في طاعة الله ورسوله؛ وقد ظهر هذا الغلو في الشام في عهد بني أمية حتى قيل: إن طاعة الخلفاء جائزة في معصية الله!
وأن الله يغفر لهم ذنوبهم مهما فعلوا! ويتجاوز عن سيئاتهم مهما أساءوا!!
وهذا ما جعل عمر بن عبدالعزيز يكثر في خطبه التأكيد على أنه لا طاعة لهم في معصية الخالق لشيوع هذا الاعتقاد بين أهل الشام؛ ثم استشرى بعد ذلك وصار الغلو في طاعة الخلفاء شائعا بين العامة والخاصة بدعوى أن ببقائه بقاء الملة!
وحملوا أحاديث وجوب الطاعة على غير وجهها الصحيح حتى أنزلوهم - من حيث لا يشعرون - مترلة من لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون! وبلغ الأمر بالخلفاء في عصور الانحطاط أن الناس كانوا يقبلون الأرض بين أيديهم ويخاطبونهم بما لا يكون إلا لله عز وجل من ألقاب التعظيم!
(1) - تهذيب صحيح مسلم- علي بن نايف الشحود (ص: 46) (50)
[ش (ثم إنها تخلف) الضمير في إنها هو الذي يسميه النحويون ضمير القصة والشأن ومعنى تخلف تحدث وأما الخلوف فهو جمع خلف وهو الخالف بشر وأما بفتح اللام فهو الخالف بخير هذا هو الأشهر (فنزل بقناة) هكذا هو في بعض الأصول المحققة وهو غير مصروف للعلمية والتأنيث وقناة واد من أودية المدينة عليه مال من أموالها]
(2) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 694) 7055 و 7056 - 1912 - [ش أخرجه مسلم في الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية .. رقم 1709 (أصلحك الله) كلمة اعتادوا أن يقولوها عند الطلب أو المراد الدعاء له بإصلاح جسمه ليعافى من مرضه. (أخذ علينا) اشترط علينا. (على السمع والطاعة) لله تعالى ورسوله -. (منشطنا) حالة نشاطنا. (مكرهنا) في الأشياء التي نكرهها وتشق علينا. (أثرة علينا) استئثار الأمراء بحظوظهم واختصاصهم إياها بأنفسهم أي ولو منعنا حقوقنا. (الأمر) الملك والإمارة. (كفرا) منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فتكون المنازعة بالإنكار عليهم. أو كفرا ظاهرا فينازعون بالقتال والخروج عليهم وخلعهم. (بواحا) ظاهرا وباديا. (برهان) نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل]