ومع أنه قالها في عصر كان أهل الدنيا قد قاموا بالدين وشرائعه - وإن حصل بعض الانحراف - إلا أن هذه الفلسفة أدت إلى اعتقاد إمكانية الدين دون إقامة الدنيا!
وقد تعطلت أحكام الشريعة شيئا فشيئا بشيوع هذه الفلسفة الخطيرة: (تركوا لكم دينكم فاتركوا لهم دنياهم) ! دون مراعاة الظرف الذي قيلت فيه وهو القرن الثاني؛ حيث كان عامة الخلفاء من الفقهاء العلماء أهل الصلاح - وإن وقع منهم بعض الجور -كالمنصور والمهدي والرشيد والمأمون؛ فأقاموا الدين والدنيا معا! وفي تلك الفترة كان لا يضر الدين ولا الدنيا اعتزال من شاء الاعتزال!!
لقد فتحت هذه الدعوة الباب على مصراعيه ومهدت لتقبل ما سيحدث في المرحلة الثالثة من الخطاب السياسي؛ أي الدعوة إلى العلمانية وإقصاء الإسلام وأحكامه عن واقع الحياة وإسقاط الخلافة وتقسيم الأمة إلى دويلات ضعيفة على يد الحملة الغربية الصليبية!!
خامسا: ومن الأسباب التي أدت إلى شيوع هذا الخطاب السياسي المؤول شيوع روح الجبر من جهة والإرجاء من جهة بشيوع المذهب الأشعري الذي يتضمن عقيدتي الجبر والإرجاء.
والجبر: هو أن الإنسان كالريشة في مهب الريح أو أنه غير فاعل لأفعاله على وجه الحقيقة؛ وأدى هذا الاعتقاد إلى الاستسلام للواقع والاتكالية بدعوى الإيمان بالقضاء والقدر.
والإرجاء: هو أن الإيمان مجرد التصديق ولا كفر إلا بالجحود؛ فمهما فعل الخلفاء من انحرافات فإنهم لا يخرجون من دائرة الإسلام ما داموا يقرون بالشهادتين مهما استحلوا من المحرمات وفعلوا من الموبقات وارتكبوا من المنكرات!! وهو ما يوافق أهواء الملوك، عن النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ قال: قَالَ لِي الْمَأْمُونَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ الْإِرْجَاءُ دِينُ الْمُلُوكِ" [1] "
لقد أفضى كل ذلك إلى اعتقاد أن هذا الواقع هو ما يريده الله ويرضاه؛ كما شاع بين الصوفية لخلطهم بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية؛ فلا يحل لهم مقاومة مراد الله! بل يجب الرضا والتسليم له! بخلاف الصحابة - رضي الله عنهم - م الذين كانوا يدافعون الأقدار بالأقدار ويفرون من قدر الله إلى قدر الله.
كما شاع اعتقاد أن الملوك الظلمة هم عقاب من الله ولا يدفع البلاء إلا بالدعاء - كما هي نظرية الحسن البصري - لا بالقوة التي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» [2] ..
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَاخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ
(1) - الكنى والأسماء للدولابي (2/ 463) (832)
(2) - صحيح مسلم (1/ 69) 78 - (49)