لقد تم ترك كل ذلك والركون إلى أحاديث الفتن وأنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه! بينما شعوب العالم كله شرقا وغربا على اختلاف مللها ونحلها تزداد تقدما وتطورا ورقيا في شئون حياتها!!!
إضاءة:
لا دخل للفضائل في تحقيق النصر والظهور فعليٌ بن أبي طالب خير من معاوية وورد فيه من الفضائل ما ليس لغيره؛ ومع هذا فقد كان عهد معاوية مدة عشرين سنة أكثر استقرارًا ورخاء من عهد علي - رضي الله عنهم - ما؛ فللنصر والظهور أسبابه وللاستقرار والازدهار سننه التي لا تتخلف أبدا!
رابعا: كما أدى فهم أحاديث الاعتزال من الفتنة كحديث أبي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ، كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة:105] ؟ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ - يَعْنِي - بِنَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ» ، وَزَادَنِي غَيْرُهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» [1]
وغيرها من الأحاديث في هذا الباب أدى فهمها إلى شيوع الروح الفردية وغياب الروح الجماعية وترك الفروض الكفائية التي تحتاج إلى الجماعة كنصر المظلوم وإزالة المنكر مما قضى على روح الجماعة وأدى إلى شيوع العزلة؛ خاصة بين علماء الأمة الذين هم أقدر الناس على قيادتها ومواجهة الظلم؛ مما مهد السبيل إلى الاستبداد السياسي في ظل غياب الروح الجماعية التي تسعى إلى تغيير الواقع إلى الأفضل.
لقد بدأت هذه الروح الفردية الاعتزالية بالظهور منذ القرن الثاني؛ وقد كان سفيان الثوري داعية إلى الاعتزال وترك الدنيا كقوله:"وَدِدْتُ أَنِّي أَخَذْتُ نَعْلِي هَذِهِ ثُمَّ جَلَسْتُ حَيْثُ شِئْتُ لَا يَعْرِفُنِي أَحَدٌ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: بَعْدَ أَنْ لَا أُسْتَذَلَّ" [2]
وكان يقول: (تركوا لكم دينكم فاتركوا لهم دنياهم) [3]
وعَنْ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطٍ، قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: «مَنْ دَعَا لِظَالِمٍ بِالْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى اللهُ» [4] .
(1) - المفصل في أشراط الساعة وعلاماتها (ص: 97) وسنن أبي داود (4/ 123) (4341) حسن
[ش - (سألت عنها خبيرا) يحتمل أن يكون سألت على صيغة الخطاب. ويحتمل أن يكون على صيغة المتكلم. (مؤثرة) أي يختارها كل أحد على الدين. ويميل إليها لا إليه. (يدان لك به) أي لاقدرة لك به. (خويصة) في القاموس الحويصة تصغير الخاصة ياؤها ساكنة لأن ياء النصغير لا تتحرك. (أيام الصبر) بالإضافة. أي أياما يعظم فيها أجر الصبر.]
(2) - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (6/ 388)
(3) - لم أجد مصدرًا لهذا القول، والمؤلف لم يذكر شيئا عنه
(4) - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/ 46)