ومِن طَرِيق الشَّعبِيّ عَن مَسرُوق عَنهُ قالَ:"لا يَأتِي عَلَيكُم زَمان إِلاَّ وهُو أَشَرّ مِمّا كانَ قَبلَهُ أَما إِنِّي لا أَعنِي أَمِيرًا خَيرًا مِن أَمِير ولا عامًا خَيرًا مِن عام ولَكِن عُلَماؤُكُم وفُقَهاؤُكُم يَذهَبُونَ ثُمَّ لا تَجِدُونَ مِنهُم خَلَفًا، ويَجِيء قَوم يُفتُونَ بِرَأيِهِم"وفِي لَفظ عَنهُ مِن هَذا الوجه"وما ذاكَ بِكَثرَةِ الأَمطار وقِلَّتها ولَكِن بِذَهابِ العُلَماء، ثُمَّ يَحدُث قَوم يُفتُونَ فِي الأُمُور بِرَأيِهِم فَيَثلِمُونَ الإِسلام ويَهدِمُونَهُ" [1] .
ومع هذا ومع أن التاريخ يثبت خلاف هذه الدعوى فقد شاع مفهوم أنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه بين العامة والخاصة؛ فأدّى ذلك إلى شيوع روح اليأس من الإصلاح والخوف من المستقبل؛ والركون إلى الحاضر والتشبث فيه بالحجاج خوفا من ابنه؛ وعدم الرغبة في التغيير كما حث على ذلك القرآن في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] [2] حيث أخبر أن التغيير يبدأ من الإنسان والمجتمع نفسه إلى الأحسن أو إلى الأسوأ؛ وما ربك بظلام للعبيد.
كما حالت هذه الروح دون الاستبشار بالمستقبل مع وجود الأحاديث الصحيحة التي تبشر بعودة الخلافة الراشدة على نهج النبوة وبظهور هذا الدين من جديد حتى يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا ... إلخ.
(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 21)
(2) - والجملة الأولى جديرة بالتنويه لما تحتويه من تقرير لناموس إلهي اجتماعي يتقلّب البشر وفاقه بين النعم والنقم والصلاح والفساد وبالتالي لما تحتويه من تلقين جليل مستمر المدى حيث قصدت تقرير كون النعم والنقم والخيرات والويلات لا تأتي على الناس عفوا وإنما هي منوطة بسلوكهم وسيرتهم. فإذا كانوا متمتعين بالقوة والعزّة والنجاح والصلاح فإنما يكون ذلك بسبب ما يقوم عليه سلوكهم من أسس الاستقامة والحق فلا تتبدل حالتهم من الحسن إلى السيء إلا إذا انحرفوا عن الطريق القويم الذي يسيرون فيه. وإذا كانوا ضعافا يقاسون الويل والذلّ والفقر والفوضى فإنما يكون هذا بسبب ما يقوم عليه سلوكهم من انحراف وإهمال وفساد فلا تتبدل حالتهم من السيء إلى الحسن إلا إذا عدلوا عمّا هم فيه وساروا في طريق الصلاح والاستقامة. وفي هذا ما هو ظاهر من الاتساق مع حقائق الأشياء. والإطلاق في الجملة يجعل مداها المشروح شاملا لجميع الناس والبيئات والطبقات والملل والنحل والحالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإنها تصحّ أن تعد من أمهات وجائز الحكم والأمثال والشواهد القرآنية البليغة. التفسير الحديث (5/ 525)
فإنه لا يغير نعمة أو بؤسى، ولا يغير عزا أو ذلة، ولا يغير مكانة أو مهانة ... إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم. وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون. ولكن ما يقع عليهم يترتب على ما يكون منهم، ويجيء لا حقا له في الزمان بالقياس إليهم. وإنها لحقيقة تلقي على البشر تبعة ثقيلة فقد قضت مشيئة الله وجرت بها سنته، أن تترتب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشر وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم. والنص صريح في هذا لا يحتمل التأويل. وهو يحمل كذلك - إلى جانب التبعة - دليل التكريم لهذا المخلوق الذي اقتضت مشيئة الله، أن يكون هو بعمله أداة التنفيذ لمشيئة الله فيه. في ظلال القرآن للسيد قطب-ط 1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2695)
وقول الحق سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ... } [الرعد: 11] يَدلُّنا أنه سبحانه لا يتدخَّل إلا إذا عَنَّت الأمور؛ وفسد كل المجتمع؛ واختفتْ النفس اللوَّامة من هذا المجتمع؛ واختفى مَنْ يَقْدِرون على الرَّدْع ولو بالكلمة من هذا المجتمع؛ هنا يتدخل الحق سبحانه. تفسير الشعراوي (12/ 7245)