فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 232

-وأما من أخذ الأمر غلبة من غير مشورة، ودعا الناس إلى بيعته، وظهر منه الجور في الأموال والدماء وغير ذلك، إلا أن أمره قد استوطأ وملك وغلب، وأمن الناس معه الفتنة التي تذهب الدين والمال، وتوجب سفك الدماء، وتسلط عوام الناس وخواصهم بعضهم على بعض، وعلم أن السمع والطاعة له أبعد لسد الشر وذهاب النفوس، فقد وجبت طاعته فيما دعا إليه من الأحكام وأداء الزكاة إذا طلبها، وإن جار، إلا أنه لا يجب أن يقصد إلى قتال من قعد عن بيعته، ولا يجب على المسلمين نصره ولا سفك دمائهم دونه، إن قام قائم عليه بسبب جوره، وأقاموا عليهم إمامًا يدعون إليه.

وقال الإمام أبو المعالي الجويني الشافعي: إذا جار الوالي وظهر ظلمه، فلأهل الحل والعقد التواطؤ على درئه، ولو بشهر الأسلحة ونصب الحروب). [1]

ثالثا: ومن الأسباب التي أدت إلى شيوع هذا الخطاب السياسي المؤول أيضا: شيوع أحاديث الفتن التي تؤكد أنه لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه؛ دون فهم لمعناها الصحيح؛ فصار أكثر المتأخرين يعملون على ترسيخ الأمر الواقع والدفاع عنه خوفا من المستقبل الذي هو أسوأ من الحاضر كما تؤكد ذلك النصوص بزعمهم!

وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن معنى حديث أنس عندما جاءه الناس يشكون له ما يجدون من ظلم الحجاج فقال لهم: (اصبروا فإنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم) قال الحافظ: (وقَد استَشكَلَ هَذا الإِطلاق مَعَ أَنَّ بَعض الأَزمِنَة تَكُون فِي الشَّرّ دُونَ الَّتِي قَبلَها ولَو لَم يَكُن فِي ذَلِكَ إِلاَّ زَمَن عُمَر بن عَبد العَزِيز وهُو بَعدَ زَمَن الحَجّاج بِيَسِيرٍ، وقَد اشتَهَرَ الخَبَر الَّذِي كانَ فِي زَمَن عُمَر بن عَبد العَزِيز، بَل لَو قِيلَ أَنَّ الشَّرّ اضمَحَلَّ فِي زَمانه لَمّا كانَ بَعِيدًا فَضلًا عَن أَن يَكُون شَرًّا مِنَ الزَّمَن الَّذِي قَبلَهُ وقَد حَمَلَهُ الحَسَن البَصرِيّ عَلَى الأَكثَر الأَغلَب، فَسُئِلَ عَن وُجُود عُمَر بن عَبد العَزِيز بَعدَ الحَجّاج فَقالَ: لا بُدَّ لِلنّاسِ مِن تَنفِيس. وأَجابَ بَعضهم أَنَّ المُراد بِالتَّفضِيلِ تَفضِيل مَجمُوع العَصر عَلَى مَجمُوع العَصر فَإِنَّ عَصر الحَجّاج كانَ فِيهِ كَثِير مِنَ الصَّحابَة فِي الأَحياء وفِي عَصر عُمَر بن عَبد العَزِيز انقَرَضُوا، والزَّمان الَّذِي فِيهِ الصَّحابَة خَير مِنَ الزَّمان الَّذِي بَعدَهُ لِقَولِهِ - صلى الله عليه وسلم -"خَير القُرُون قَرنِي"وهُو فِي الصَّحِيحَينِ، ثُمَّ وجَدت عَن عَبد الله بن مَسعُود التَّصرِيح بِالمُرادِ وهُو أَولَى بِالاتِّباعِ، فَأَخرَجَ يَعقُوب بن شَيبَة مِن طَرِيق الحارِث بن حَصِيرَة عَن زَيد بن وهب قالَ:"سَمِعت عَبد الله بن مَسعُود يَقُول: لا يَأتِي عَلَيكُم يَوم إِلاَّ وهُو شَرّ مِنَ اليَوم الَّذِي كانَ قَبلَهُ حَتَّى تَقُوم السّاعَة، لَست أَعنِي رَخاء مِنَ العَيش يُصِيبهُ ولا مالًا يُفِيدُهُ ولَكِن لا يَأتِي عَلَيكُم يَوم وإِلاَّ وهُو أَقَلّ عِلمًا مِنَ اليَوم الَّذِي مَضَى قَبلَهُ، فَإِذا ذَهَبَ العُلَماء استَوى النّاس فَلا يَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ ولا يَنهَونَ عَن المُنكَر فَعِندَ ذَلِكَ يَهلَكُونَ".

(1) - المفصل في شرح السنن النبوية في الأحكام السياسية (ص: 434) والعقد المنظم بحاشية تبصرة الحكام 2/ 195 - 197

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت