فَفَضَّلَ بَعْضُهُمْ عُمَرَ لِسِيرَتِهِ وَمَعْدَلَتِهِ وَزُهْدِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَفَضَّلَ آخَرُونَ مُعَاوِيَةَ لِسَابِقَتِهِ وَصُحْبَتِهِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيَوْمٌ شَهِدَهُ مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَيْرٌ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَيَّامِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ.) [1] .
وَقَدْ جَمَعَ يَوْمًا رُءُوسَ النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ فَدَكَ كَانَتْ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَضَعُهَا حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ، ثُمَّ وَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ كَذَلِكَ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَمَا أَدْرِي مَا قَالَ فِي عُثْمَانَ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ مَرْوَانَ أَقْطَعَهَا فَحَصَلَ لِي مِنْهَا نَصِيبٌ، وَوَهَبَنِي الْوَلِيدُ وَسُلَيْمَانُ نَصِيبَهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ مَالِي شَيْءٌ أَرَدَّ عَلَيَّ مِنْهَا، وَقَدْ رَدَدْتُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. قَالَ: فَيَئِسَ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الْمَظَالِمِ، ثُمَّ أَخَذَ أَمْوَالَ جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فَرَدَّهَا إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَسَمَّاهَا أَمْوَالُ الْمَظَالِمِ، فَاسْتَشْفَعُوا إِلَيْهِ بِالنَّاسِ، وَتَوَسَّلُوا إِلَيْهِ بِعَمَّتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مَرْوَانَ فَلَمْ يَنْجَعْ فِيهِ وَلَمْ يَرُدُّهُ عَنِ الْحَقِّ شَيْءٌ، وَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَتَدَعُنِّي، وَإِلَّا ذَهَبْتُ إِلَى مَكَّةَ فَنَزَلْتُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ لِأَحَقِّ النَّاسِ بِهِ. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَقَمْتُ فِيكُمْ خَمْسِينَ عَامًا مَا أَقَمْتُ فِيكُمْ مَا أُرِيدُ مِنَ الْعَدْلِ، وَإِنِّي لَأُرِيدُ الْأَمْرَ فَمَا أُنْفِذُهُ إِلَّا مَعَ طَمَعٍ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تَسْكُنَ قُلُوبُهُمْ. [2]
وكان يحول بين الخليفة الوليد بن عبدالملك وكثيرا من الظلم.
وعَنْ أَبِي عُقْبَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فِي كُلِّ شَبْهَةٍ، فَإِنَّ الْوَالِيَ إِنْ أَخْطَأَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَعَدَّى فِي الظُّلْمِ وَالْعُقُوبَةِ» [3] .
وقد منع أن يتعرض أحد للخوارج ما لم يصولوا على الناس، ويأخذوا الأموال، أو يقطعوا السبيل، وأن يرد مالهم إذا انهزموا، وأن لا يتبع مدبرهم، ولا يقتل جريحهم، وكانوا يدخلون عليه داره فيجادلهم ثم يخرجون آمنين!
وكان لعمر بن عبد العزيز لما كان أميرا على المدينة سنة 87 هـ مجلس شورى لفقهاء وكبار علماء المدينة وهم: عروة بن الزبير بن العوام وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبو بكر بن عبدالرحمن وأبو بكر بن سليمان بن خيثمة وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عامر بن ربيعة وخارجة بن زيد بن ثابت؛ فعَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَدِينَةَ وَالِيًا عَلَيْهَا كَتَبَ حَاجِبُهُ النَّاسَ، ثُمَّ دَخَلُوا، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ دَعَا عَشَرَةَ نَفَرٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَلَدِ: عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَخَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي
(1) - البداية والنهاية ط هجر (12/ 696)
(2) - البداية والنهاية ط هجر (12/ 694)
(3) - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (5/ 311) صحيح