وأمر أن تجرى الأرزاق على جميع المساجين والمجذومين في جميع أطراف الدولة، وأن ينفق عليهم ما يكفيهم، وكان حسن السيرة محببا للرعية.
ثم ولي الخلافة هارون الرشيد بن المهدي سنة (170 هـ 193 هـ) وكان من أحسن الملوك سيرة بالرعية، وأكثرهم غزوا، وأكثرهم عناية بالعلم والعلماء، وشئون الدولة، وقد أقام من الصناعات ما لم يقم قبله وقسم الأموال في الثغور والسواحل وحماها.
وولي المأمون عبد الله بن هارون الرشيد سنة (198 هـ 218 هـ) وكان عًالما حازما، حسن السيرة في الرعية، قال ابن كثير: (وَكَانَ يَقْصِدُ الْعَدْلَ، وَيَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ وَالْفَصْلَ؛ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ فَتَظَلَّمَتْ عَلَى ابْنِهِ الْعَبَّاسِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَأَمَرَ الْحَاجِبَ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَأَجْلَسَهُ مَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَخَذَ ضَيْعَةً لَهَا وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا، فَتَنَاظَرَا سَاعَةً فَجَعَلَ صَوْتُهُا يَعْلُو عَلَى صَوْتِهِ فَزَجَرَهَا بَعْضُ الْحَاضِرِينَ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: اسْكُتْ فَإِنَّ الْحَقَّ أَنْطَقَهَا، وَالْبَاطِلَ أَسْكَتَهُ. ثُمَّ حَكَمَ لَهَا بِحَقِّهَا وَأَغْرَمَ لَهَا وَلَدَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ إِلَى بَعْضِ الْأُمَرَاءِ: لَيْسَ مِنَ الْمُرُوءَةِ أَنْ يَكُونَ آنِيَتُكَ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَغَرِيمُكَ عَارٍ، وَجَارُكَ طَاوٍ. [1] .
وعن يحيى بن أكثم قال: كان المأمون يجلس للمناظرة في الفِقْه يوم الثلاثاء، فجاء رجل عليه ثياب قد شمّرها ونَعْلُهُ في يده. فوقف على طَرَف البساط وقال: السلام عليكم. فردّ عليه المأمون، فقال: أتأذن لي في الدُّنُوّ؟ قال: ادْنُ وتكلَّم، قال: أخبِرْني عن هذا المجلس الذي أنت فيه. جلَسته باجتماع الأمّة أَمْ بالمُغَالبة والقَهْر؟ قال: لَا بهذا ولا بهذا. بل كان يتولّى أمر المسلمين مَن عقد لي ولأخي. فلمّا صار الأمر لي علمت أنّي محتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في الشرق والغرب على الرضى بي. فرأيت أنّي متى خلّيتُ الأمرَ اضطّرب حبْل الإسلام ومرج عهدهم، وتنازعوا، وبطل الجهاد والحج، وانقطعت السُّبُل. فقمت حِياطةً للمسلمين إلى أن يُجْمِعوا على رجلٍ يرضون به، فأُسلِّم إليه الأمر. فمتى اتّفقوا على رجلٍ خرجت له من الأمر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، وذهبَ، فوجّه المأمون مَن يكشف خبره. فرجع وقال: يا أمير المؤمنين مضى إلى مسجد فيه خمسة عشر رجلًا في مثل هيئته، فقالوا له: أَلَقِيتَ الرجل؟ قال: نعم. وأخبرهم بما جرى، قالوا: ما نرى بما قال بأسا. وافترقوا. فقال المأمون: كفينا مؤونة هؤلاء بأيسر الخَطْب [2] .
قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ المُنَجِّمُ: كَانَ أَمَّارًا بِالعَدْلِ مَحْمُوْدَ السِّيْرَةِ مَيْمُوْنَ النَّقِيْبَةِ، فَقِيْهَ النَّفْسِ يُعَدُّ مِنْ كِبَارِ العُلَمَاءِ. [3] ، ولولا قيامه بفتنة خلق القرآن لكان أجل خلفاء بني العباس على الإطلاق.
(1) - البداية والنهاية ط هجر (14/ 223)
(2) - تاريخ الإسلام ت بشار (5/ 355)
(3) - سير أعلام النبلاء ط الحديث (8/ 378)