فهرس الكتاب
خَشَعَ جَبَّارُ الْأَرْضِ، رَحِمَ جَبَّارُ السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ لِغُلَامِهِ: اخْرُجْ بِالْمِمْطَرِ مَعَكَ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّاسُ، وَجَاءَ الْقَاضِي صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَسْتَمِعُونَ لِمَا يَقُولُ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ كَانَ أَوَّلَ مَا خَاطَبَهُمْ بِهِ أَنْ قَالَ: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةِ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54] ثُمَّ أَعَادَهَا، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي الْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ وَالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى سُقُوا، وَرَجَعُوا يَخُوضُونَ الْمَاءَ. [1]
ثم بويع ولده المؤيد بالله بن المستنصر، وكان صغيرا فقام في شئون الدولة وزيره المنصور محمد بن أبي عامر، وولداه من بعده المظفر والناصر مدة 26 سنة.
قال ابن كثير: فَسَاسَ الرَّعَايَا جَيِّدًا، وَعَدَلَ فِيهِمْ، وَغَزَا الْأَعْدَاءَ، وَاسْتَقَرَّ لَهُمُ الْحَالُ كَذَلِكَ نَحْوًا مِنْ سِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً. [2] .
وكان من ملوك هذا العصر المعتمد بن عباد الأندلسي، (كان حسن السيرة وٍالإحسان إلى الرعية والرفق بهم) .
وملك بعده الأندلس المجاهد يوسف بن تاشفين.
قال ابن كثير:"وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ يُوسُفُ بْنُ تَاشُفِينَ صَاحِبُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ كَثِيرًا مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَأَسَرَ صَاحِبَهَا الْمُعْتَمِدَ بْنَ عَبَّادٍ، وَسَجَنَهُ وَأَهْلَهُ بِأَغْمَاتَ، وَقَدْ كَانَ الْمُعْتَمِدُ هَذَا مَوْصُوفًا بِالْكَرَمِ وَالْأَدَبِ وَالْحِلْمِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ وَالْعِشْرَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الرَّعِيَّةِ وَالرِّفْقِ بِهِمْ فَحَزِنَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي مُصَابِهِ الشُّعَرَاءُ فَأَكْثَرُوا." [3]
وَقِيْلَ: كَانَ ابْنُ تَاشفِيْن كَثِيْرَ الْعَفو، مُقَرّبًا لِلْعُلَمَاءِ، وَكَانَ أَسْمَرَ نَحِيْفًا، خفِيفَ اللِّحْيَة، دقيقَ الصَّوْت، سَائِسًا، حَازِمًا، يَخطُبُ لِخَلِيْفَة العِرَاق، وَفِيْهِ بُخْلُ البَرْبَرِ، تَمَلَّكَ بِضْعًا وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً، وَهُوَ وَجَيْشُهُ مُلاَزِمُوْنَ لِلِّثَامِ الضَّيِّقِ، وَفِيْهِم شَجَاعَة وَعُتُوٌّ وعسفٌ، جَاءته الخلع من المستظهر، وَوَلِيَ بَعْدَهُ وَلدُهُ عليّ. [4]
وكَانَ أحد من ملك البلاد، ودانت بطاعته العباد، واتسعت ممالكه، وطال عُمره. وقلَّ أنّ عُمِّرَ أحدٌ من ملوك الإسلام ما عُمِّر.
وكان ابن تاشَفِين بطلًا شجاعًا، عادلًا، اختطّ مراكش، وكان مكمنًا للّصوص مأوى الحَرَاميّة، فكان المارَون بِهِ يقول بعضُهم لبعض: مُرّاكش.
وقدم ابن تاشَفِين بين يديه كتابًا إلى الفرنج يدعوهم إلى الإسلام، أو الحرب، أو الجزية.
(1) - البداية والنهاية ط هجر (15/ 380)
(2) - البداية والنهاية ط هجر (15/ 371)
(3) - البداية والنهاية ط هجر (16/ 119)
(4) - سير أعلام النبلاء ط الحديث (14/ 228)