فهرس الكتاب
ثمّ أقبلت الجيوش، ونزلت تجاه الفرنج، فاختار ابن عَبّاد أنْ يكون هُوَ المصادم للفرنج أوّلًا، وأن يكون ابن تاشَفِين ردفًا له. ففعلوا ذلك، فخذل الفرنج، استمرّ القتل فيهم، فقيل: إنّه لم يفلت منهم إلّا الأذفونش في أقلّ من ثلاثين. وغنم المسلمون غنيمة عظيمة. وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
وعفّ يوسف عَن الغنائم، وآثر بها ملوك الأندلس ليتمّ لَهُ الأجر، فأحبوه وشكروا لَهُ. وكانت ملحمةً عظيمةً قَلَّ أنْ وقع في الإسلام مثلها. [1]
وقد بلغ من عدل ملوك الإسلام أن تشبه بهم ملوك الفرنج، قال ابن كثير: (وَفِيهَا مَلَكَتِ الْفِرَنْجُ مَدِينَةَ صِقِلِّيَةَ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ وَمَاتَ مَلِكُهُمْ فَقَامَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ، فَسَارَ فِي النَّاسِ سِيرَةَ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ كَأَنَّهُ مِنْهُمْ.) [2] .
وفي سنة (569 هـ) توفي الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي السلجوقي؛ وكان حنفي المذهب؛ يحب الفقراء ويكرمهم، وكان يقوم في أحكامه بالمعدلة الحسنة، واتباع الشرع المطهر، ويعقد مجالس العدل ويتولاها بنفسه؛ وقد حكم سنة (541 هـ) وجاهد الفرنج وهزمهم وفتح المدن التي استولوا عليها في الشام، قال ابن كثير: (هُوَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ نُورُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ مَحْمُودُ بْنُ الْمَلِكِ الْأَتَابِكِ قَسِيمِ الدَّوْلَةِ عِمَادِ الدِّينِ أَبِي سَعِيدٍ زَنْكِيٍّ، الْمُلَقَّبِ بِالشَّهِيدِ بْنِ الْمَلِكِ آقْ سُنْقُرَ الْأَتَابِكِ الْمُلَقَّبِ بِقَسِيمِ الدَّوْلَةِ أَيْضًا التُّرْكِيُّ السَّلْجُوقِيُّ مَوْلَاهُمْ، وُلِدَ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْأَحَدِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ بِحَلَبَ، وَنَشَأَ فِي كَفَالَةِ وَالِدِهِ صَاحِبِ حَلَبَ وَالْمَوْصِلِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْبُلْدَانِ الْكَثِيرَةِ وَتَعَلَّمَ الْفُرُوسِيَّةَ وَالرَّمْيَ، وَكَانَ شَهْمًا شُجَاعًا ذَا هِمَّةٍ عَالِيَةٍ وَقَصْدٍ صَالِحٍ وَحُرْمَةٍ وَافِرَةٍ وَدِيَانَةٍ مَتِينَةٍ، فَلَمَّا قُتِلَ أَبُوهُ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَهُوَ مُحَاصِرٌ جَعْبَرَ كَمَا ذَكَرْنَا صَارَ الْمُلْكُ بِحَلَبَ إِلَى ابْنِهِ هَذَا وَأَعْطَاهُ أَخُوهُ سَيْفُ الدِّينِ غَازِيٌّ الْمَوْصِلَ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ افْتَتَحَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ دِمَشْقَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ فَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا وَبَنَى لَهُمُ الْمَدَارِسَ وَالْمَسَاجِدَ وَالرُّبُطَ وَوَسَّعَ الطُّرُقَ وَالْأَسْوَاقَ، وَوَضَعَ الْمُكُوسَ بِدَارِ الْبِطِّيخِ وَالْغَنَمِ وَالْعَرْصَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَانَ حَنَفِيَّ الْمَذْهَبِ يُحِبُّ الْعُلَمَاءَ وَالْفُقَرَاءَ وَيُكْرِمُهُمْ وَيَحْتَرِمُهُمْ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، وَيَقُومُ فِي أَحْكَامِهِ بِالْمَعْدِلَةِ الْحَسَنَةِ وَاتِّبَاعِ الشَّرْعِ الْمُطَهَّرِ وَيَعْقِدُ مَجَالِسَ الْعَدْلِ وَيَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ وَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الْقَاضِي وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُفْتُونَ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ، وَيَجْلِسُ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ بِالْمَسْجِدِ الْمُعَلَّقِ الَّذِي بِالْكُشْكِ ; لِيَصِلَ إِلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَحَاطَ السُّورَ عَلَى حَارَةِ الْيَهُودِ، وَكَانَ خَرَابًا وَأَغْلَقَ بَابَ كَيْسَانَ وَفَتَحَ بَابَ الْفَرَجِ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ هُنَاكَ بَابٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَظْهَرَ بِبِلَادِهِ السُّنَّةَ وَأَمَاتَ الْبِدْعَةَ، وَأَمَرَ بِالتَّأْذِينِ بِحَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَلَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ بِهِمَا فِي دَوْلَتِي أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُؤَذَّنُ بِحَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ ;
(1) - تاريخ الإسلام ت تدمري (34/ 330)
(2) - البداية والنهاية ط هجر (16/ 120)