فهرس الكتاب
لِأَنَّ شِعَارَ الرَّفْضِ كَانَ ظَاهِرًا بِهَا. وَأَقَامَ الْحُدُودَ وَفَتَحَ الْحُصُونَ وَكَسَرَ الْفِرِنْجَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَاسْتَنْقَذَ مِنْ أَيْدِيهِمْ مَعَاقِلَ كَثِيرَةً مِنَ الْحُصُونِ الْمَنِيعَةِ الَّتِي كَانُوا قَدِ اسْتَحْوَذُوا عَلَيْهَا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي السِّنِينَ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي أَيَّامِهِ.
وَأَقْطَعَ أُمَرَاءَ الْعَرَبِ إِقْطَاعَاتٍ ; لِئَلَّا يَتَعَرَّضُوا لِلْحَجِيجِ، وَبَنَى بِدِمَشْقَ مَارَسْتَانًا حَسَنًا لَمْ يُبْنَ فِي الشَّامِ قَبْلَهُ مِثْلُهُ وَلَا بَعْدَهُ أَيْضًا، وَوَقَفَ وَقْفًا عَلَى مَنْ يُعَلِّمُ الْأَيْتَامَ الْخَطَّ وَالْقُرْآنَ، وَجَعَلَ لَهُمْ نَفَقَةً وَكُسْوَةً وَعَلَى مَنْ يُقْرِئُ الْأَيْتَامَ وَعَلَى الْمُجَاوِرِينَ بِالْحَرَمَيْنِ. [1]
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ ابْتَنَى دَارًا لِلْعَدْلِ، فَكَانَ يَجْلِسُ فِيهَا فِي الْأُسْبُوعِ يَوْمَيْنِ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةٌ. وَقِيلَ: خَمْسَةٌ. وَيَحْضُرُ الْقَاضِي وَالْفُقَهَاءُ مِنَ الْمَذَاهِبِ، وَلَا يَحْجُبُهُ يَوْمئِذٍ حَاجِبٌ بَلْ يَصِلُ إِلَيْهِ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ فَيُكَلِّمُ النَّاسَ وَيَسْتَفْهِمُهُمْ وَيُخَاطِبُهُمْ بِنَفْسِهِ فَيَكْشِفُ الظَّالِمَ وَيُنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ، قَالَ: كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَسَدَ الدِّينِ شِيرَكُوهْ بْنَ شَاذِيٍّ كَانَ قَدْ عَظُمَ شَأْنُهُ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ شَرِيكُهُ فِي الْمَمْلَكَةِ، وَاقْتَنَى الْأَمْلَاكَ وَالْأَمْوَالَ وَالْمَزَارِعَ وَالْقُرَى ; فَرُبَّمَا ظَلَمَ نُوَّابُهُ جِيرَانَهُمْ فِي الْأَرَاضِي، وَكَانَ الْقَاضِي كَمَالُ الدِّينِ يُنْصِفُ كُلَّ مَنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَرَاءِ إِلَّا أَسَدَ الدِّينِ هَذَا، فَلَمَّا ابْتَنَى الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ دَارَ الْعَدْلِ تَقَدَّمَ أَسَدُ الدِّينِ إِلَى نُوَّابِهِ أَنْ لَا يَدَعُوَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ ظُلَامَةً، وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا، فَإِنَّ زَوَالَ مَالِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرَاهُ نُورُ الدِّينِ بِعَيْنِ ظَالِمٍ، أَوْ يُوقِفَهُ مَعَ خَصْمٍ مِنَ الْعَامَّةِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا جَلَسَ نُورُ الدِّينِ بِدَارِ الْعَدْلِ مُدَّةً مُتَطَاوِلَةً لَمْ يَرَ أَحَدًا يَسْتَعْدِي عَلَى أَسَدِ الدِّينِ، فَسَأَلَ الْقَاضِي عَنْ ذَلِكَ فَأَعْلَمَهُ بِصُورَةِ الْحَالِ فَسَجَدَ نُورُ الدِّينِ شُكْرًا لِلَّهِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ أَصْحَابَنَا يُنْصِفُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
وَأُمًّا شَجَاعَتُهُ فَكَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يُرَ عَلَى ظَهْرِ الْفَرَسِ أَحْسَنُ وَلَا أَثْبَتُ مِنْهُ. وَكَانَ يُحْسِنُ اللَّعِبَ بِالْكُرَةِ، وَرُبَّمَا ضَرَبَهَا ثُمَّ يَسُوقُ وَرَاءَهَا وَيَأْخُذُهَا مِنَ الْهَوَى بِيَدِهِ، ثُمَّ يَرْمِيهَا إِلَى آخِرِ الْمَيْدَانِ وَلَمْ يُرَ جُوكَانُهُ يَعْلُو عَلَى رَأْسِهِ، وَلَا يُرَى الْجُوكَانُ فِي يَدِهِ ; لِأَنَّ الْكُمَّ سَاتِرٌ لَهَا، وَلَكِنَّهُ اسْتِهَانَةٌ بِلَعِبِ الْكُرَةِ.
وَكَانَ شُجَاعًا صَبُورًا فِي الْحَرْبِ، يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِهِ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ: قَدْ تَعَرَّضْتُ لِلشَّهَادَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَتَّفِقْ لِي ذَلِكَ. وَقَالَ لَهُ يَوْمًا الْفَقِيهُ قُطْبُ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيُّ: بِاللَّهِ يَا مَوْلَانَا السُّلْطَانُ لَا تُخَاطِرْ بِنَفْسِكَ ; فَإِنَّكَ لَوْ قُتِلْتَ قُتِلَ جَمِيعُ مَنْ مَعَكَ وَأُخِذَتِ الْبِلَادُ. فَقَالَ: اسْكُتْ يَا قُطْبَ الدِّينِ، مَنْ هُوَ مَحْمُودٌ؟ مَنْ كَانَ يَحْفَظُ الْبِلَادَ قَبَلِي؟ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. قَالَ: فَبَكَى مَنْ حَضَرَ.
وَقَدْ أَسَرَ بِنَفْسِهِ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ بَعْضَ مُلُوكِ الْفِرِنْجِ فَاسْتَشَارَ الْأُمَرَاءَ فِيهِ ; هَلْ يَقْتُلُهُ أَوْ يَأْخُذُ مَا يُبْذَلُ لَهُ مِنَ الْمَالِ فِي الْفِدَاءِ؟ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ثُمَّ حَسُنَ فِي رَأْيِهِ إِطْلَاقُهُ وَأَخَذُ الْفِدَاءِ، فَحِينَ جَهَّزَ بَعْثَ الْفِدَاءِ، مَاتَ بِبَلَدِهِ فَأَعْجَبَ ذَلِكَ نُورَ الدِّينِ وَأَصْحَابَهُ، وَابْتَنَى نُورُ الدِّينِ مِنْ ذَلِكَ
(1) - البداية والنهاية ط هجر (16/ 480)