فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 232

الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي أَيْدِيهِمْ؛ فَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ هَذَا بِأَهْلِ الإِسْلامِ؟ وَإِنَّمَا صَارُوا إِلَى الْخُرُوجِ فِي السَّلاسِلِ يَتَصَدَّقُونَ لِمَا هُمْ فِيهِ مِنْ جَهْدِ الْجُوعِ؛ فَرُبَّمَا أَصَابُوا مَا يَأْكُلُونَ وَرُبَّمَا لَمْ يُصِيبُوا، إِنَّ ابْنَ آدَمَ لَمْ يَعْرُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَتَفَقَّدَ أَمْرَهُمْ وَمُرْ بِالإِجْرَاءِ عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا فَسَّرْتُ لَكَ .... ) [1] .

لقد أجمع الفقهاء على عامة هذه الضمانات العدلية وأكثر منها؛ وهي التي حالت مع استقلال القضاء وصلاح القضاة - دون استشراء الظلم في العالم الإسلامي على النحو الذي حصل في أوربا من استرقاق الأحرار لعجزهم عن سداد الديون، وشيوع الإقطاع هناك وحرمان الناس من حق التملك والتجارة والتنقل ... ، إلخ مما عدّ من المكتسبات بعد الثورة الفرنسية سنة (1789 م) وهذا ما لم يعرفه العالم الإسلامي.

وإنما شهد العالم الإسلامي ظاهرة الاستبداد السياسي وفساد السلطة، وكان بالإمكان التصدي لها لولا مبادئ الخطاب المؤول، التي حالت دون ذلك؛ بدعوى أن السنة جاءت بوجوب السمع والطاعة مهما انحرفت السلطة، ومهما تخلت عن مهماتها، كحماية البيضة وإقامة الملة وتحكيم الشريعة؟!

فما إن استشرى هذا الاعتقاد بين علماء الأمة وعامتها، حتى ازداد الانحراف شيئا فشيئا، دون أن تواجه السلطة من يسائلها ويتصدى لفسادها، فتم تعطيل أحكام الشريعة شيئا فشيئا، وبلغ الفساد مداه، حتى تحالف كثير من الملوك مع أعداء الإسلام، وتركوا الجهاد! حتى وقع المسلمون تحت حكم أعدائهم، كما حصل في الأندلس، فاستأصلوهم منها، وقضوا عليهم بسبب فساد الملوك وانحلالهم، وعدم تصدي الأمة لهم؛ فكانت الكارثة عليهم جميعا! وبعد سقوط آخر ملوك الأندلس بأربعة قرون سقط العالم الإسلامي كله - لأول مرة في تاريخ المسلمين - تحت سيطرة الاستعمار الغربي، مع وجود الملوك والحكومات في كل قطر دخله الاستعمار؟!!

وقد دخل الاستعمار أكثر الأقطار دون مقاومة تذكر، بل تم بموافقة كثير من ملوك تلك الفترة؟!

وظل العلماء يرون السمع والطاعة لهؤلاء الملوك، دون أن يدركوا بأن الدار قد صارت دار كفر، الشوكة فيها للأعداء، وأن هؤلاء الملوك مجرد ولاة تحت سيطرة الاستعمار، كما كان حال الخديوي في مصر تحت حكم الاستعمار الإنجليزي، وحال السنوسي في ليبيا تحت الحكم الإيطالي، فالحاكم في واقع الأمر هو ملك انجلترا ورئيس إيطاليا وفرنسا، وليس الخديوي والسنوسي ... إلخ.

س: كيف تكون بلاد المسلمين دار كفر وهم أهلها والأكثرية فيها؟!

(1) - الخراج لأبي يوسف (ص: 163)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت