فالشورى في هذه المرحلة كانت من أسس الخطاب السياسي، ولم يطرأ على مفهوم الشورى ما طرأ بعد ذلك في: هل الشورى واجبة أم لا؟! وهل هي ملزمة أم معلمة؟!
بل جميع تصرفات الصحابة تؤكد أن الشورى واجبة، وأن رأي الأكثرية ملزم؛ كما ذهب إليه أبو بكر بن الجصاص في تفسيره لقوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} قال:"وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْمُشَاوَرَةِ عَلَى جِهَةِ تَطْيِيبِ نُفُوسِهِمْ وَرَفْعِ أَقْدَارِهِمْ وَلِتَقْتَدِيَ الْأُمَّةُ بِهِ فِي مِثْلِهِ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ إذَا اسْتَفْرَغُوا مَجْهُودَهُمْ فِي اسْتِنْبَاطِ مَا شُووِرُوا فِيهِ وَصَوَابِ الرَّأْيِ فِيمَا سُئِلُوا عَنْهُ, ثُمَّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْمُولًا عَلَيْهِ وَلَا مُتَلَقَّى مِنْهُ بِالْقَبُولِ بِوَجْهٍ, لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَطْيِيبُ نُفُوسِهِمْ وَلَا رَفْعٌ لِأَقْدَارِهِمْ بَلْ فِيهِ إيحَاشُهُمْ فِي إعْلَامِهِمْ بِأَنَّ آرَاءَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَلَا مَعْمُولٌ عَلَيْهَا. فَهَذَا تَأْوِيلٌ سَاقِطٌ لَا مَعْنَى لَهُ, فَكَيْفَ يَسُوغُ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ لِتَقْتَدِي بِهِ الْأُمَّةُ مَعَ عِلْمِ الْأُمَّةِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَشُورَةَ لَمْ تُفِدْ شَيْئًا وَلَمْ يُعْمَلْ فِيهَا بِشَيْءٍ أَشَارُوا بِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْأُمَّةِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهَا فَوَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ تَشَاوُرُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ وَأَنْ لَا تُنْتِجَ الْمَشُورَةُ رَأْيًا صَحِيحًا وَلَا قَوْلًا مَعْمُولًا; لِأَنَّ مُشَاوَرَتَهُمْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ كَانَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ, فَإِنْ كَانَتْ مَشُورَةُ الْأُمَّةِ فِيمَا بَيْنَهَا تُنْتِجُ رَأْيًا صَرِيحًا وَقَوْلًا مَعْمُولًا عَلَيْهِ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ اقْتِدَاءٌ بِالصَّحَابَةِ عِنْدَ مُشَاوَرَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إيَّاهُمْ, وَإِذْ قَدْ بَطَلَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِمُشَاوَرَتِهِ إيَّاهُمْ فَائِدَةٌ تُسْتَفَادُ بِهَا وَأَنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَعَهُمْ طَرِيقٌ مِنْ الِارْتِئَاءِ وَالِاجْتِهَادِ, فَجَائِزٌ حِينَئِذٍ أَنْ تُوَافِقَ آرَاؤُهُمْ رَأْيَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَجَائِزٌ أَنْ يُوَافِقَ رَأْيُ بَعْضِهِمْ رَأْيَهُ وَجَائِزٌ أَنْ يُخَالِفَ رَأْيَ جَمِيعِهِمْ فَيَعْمَلَ - صلى الله عليه وسلم - حِينَئِذٍ بِرَأْيِهِ, وَيَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُعَنِّفِينَ فِي اجْتِهَادِهِمْ بَلْ كَانُوا مَأْجُورِينَ فِيهِ لِفِعْلِهِمْ مَا أُمِرُوا بِهِ, وَيَكُونُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ تَرْكُ آرَائِهِمْ وَاتِّبَاعُ رَأْيِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -." [1]
وهذا ما رجحه الرازي في تفسيره حيث قال: (ظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ فَقَوْلُهُ: وَشاوِرْهُمْ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ) [2]
وهذا ما ذهب إليه علماء أهل الأندلس كما قال ابن عطية (541 هـ) : (وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الشُّورَى مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَعَزَائِمِ الْأَحْكَامِ، وَمَنْ لَا يَسْتَشِيرُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَعَزْلُهُ وَاجِبٌ، وَهَذَا مَا لَا اخْتِلَاف فِيهِ.) ! [3]
والشورى في هذه المرحلة تتضمن الأمرين اختيار الإمام، ومشاركته الرأي.
وقد أجمع الصحابة على هذا المبدأ، وأن الأمة هي التي تختار الإمام، وهي التي تشاركه الرأي فلا يقطع أمرًا دونها، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل، فكان لا يقطع أمرا دون شورى الأمة
(1) - أحكام القرآن للجصاص ط العلمية (2/ 52)
(2) - تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (9/ 410)
(3) - تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 534) و المهذب في فقه السياسة الشرعية (ص: 690) والإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة (ص: 146) والشورى فريضة إسلامية (ص: 139، بترقيم الشاملة آليا) والشورى في الشريعة الإسلامية (ص: 33)