فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 232

فيما كان أمرا عاما، وكان يشاور أصحابه في جميع شئونهم ما لم يترل عليه الوحي، كما فعل ذلك في غزوة أحد، وكما استشار الناس في رد أموال هوازن عليهم ... ، وكان لا يستثني أحدا من الشورى في الأمور العامة، بل كان يستشير كل من كان حاضرا من المسلمين في السلم أو الحرب.

وكذا وصف الله عز وجل أهل الإيمان فقال: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى: 38] فجعل الشورى بين الصلاة والزكاة، وهما من أركان الإسلام، ليؤكد مكانتها في الدين، وأنها من فرائضه وأركانه في المجتمع المسلم وأبرز خصائصه.

وقد أدرك الصحابة أهمية الشورى في سياسة شئون الأمة، ولم يختلفوا في أن الأمر شورى، وأول الأمور وأهمها أمر الإمامة واختيار الخليفة؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب وهو على فرش الموت لعبدالله بن عباس: اعْقِلْ عَنِّي ثَلَاثًا: «الْإِمَارَةُ شُورَى، وَفِي فِدَاءِ الْعَرَبِيِّ عَبْدٌ، وَفِي ابْنِ الْأَمَةِ بَعِيرَانِ» ،قَالَ: وَكَتَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ الثَّالِثَةَ" [1] وكما في خطبته المشهورة: (من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه .. ) "

وقال للستة المرشحين من بعده: (أَمْهِلُوا، فَإِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَلْيُصَلِّ لَكُمْ صُهَيْبٌ ثَلَاثَ لَيَالٍ، ثُمَّ أَجْمِعُوا أَمَرَكُمْ، فَمَنْ تَأَمَّرَ مِنْكُمْ عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ) [2] .

وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن عبد الرحمن بن عوف لما رضي أهل الشورى الخمسة أن يختار واحدا منهم ثم لما انحصر الترشيح بين عثمان وعلي - رضي الله عنهم - ما: ثُمَّ نَهَضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رضي الله عنهم - يَسْتَشِيرُ النَّاسَ فيهما ويجمع رأى المسلمين برأي رءوس الناس وأقيادهم جَمِيعًا وَأَشْتَاتًا، مَثْنَى وَفُرَادَى، وَمُجْتَمِعِينَ، سِرًّا وَجَهْرًا، حَتَّى خَلَصَ إِلَى النِّسَاءِ الْمُخَدَّرَاتِ فِي حِجَابِهِنَّ، وَحَتَّى سَأَلَ الْوِلْدَانَ فِي الْمَكَاتِبِ، وَحَتَّى سَأَلَ مَنْ يَرِدُ مِنَ الرُّكْبَانِ وَالْأَعْرَابِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فِي مُدَّةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، فَلَمْ يَجِدِ اثنين يختلفين في تقدم عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) [3] وما كان عبد الرحمن ليجتهد في سؤال الناس كل هذا الجهد لولا أنه حق من حقوقهم يحرم الافتئات عليهم فيه أو مصادرته عليهم أو اغتصابهم إياه.

قَالَ مُحَمَّد بن الحنفيةُ: كنت مع أبي حين قتل عثمان - رضي الله عنهم -، فقام فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا له: إن هذا الرجل قد قتل، ولا بد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحدا أحق بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: لا تفعلوا، فإني أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قَالَ: ففِي

(1) - الأموال للقاسم بن سلام (ص: 178) (361) صحيح

(2) - المفصل في شرح السنن النبوية في الأحكام السياسية (ص: 217) والطبقات الكبرى ط دار صادر (3/ 344) صحيح

(3) - الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة (ص: 51) والبداية والنهاية ط الفكر (7/ 146)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت