فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 232

وقد كان في خدمة اليابان عدة من الأخصائيين الأجانب في شعبات إداراتها لسنين محدودة، برواتب معينة، وكانت كلما أتم الياباني عمله في شعبة من الشعب وعاد لوطنه أرفقوه بذلك الإخصائي، فكان في دقائق تلك الشعبة وما تحتاجه من علم وفهم وعمل، يبرز الياباني على رئيسه الإفرنجي، حتى خجل أولئك المأجورون من أنفسهم، وطلبوا إعفاءهم من الخدمة قبل انقضاء الأجل المعقود، ورضوا بحرمانهم من الراتب، باعتراف أن الياباني أقدر منهم على أداء وظائفهم، وما جلبوا لأجله واستؤجروا له، هكذا تم لليابان الفوز بالتقليد النافع، وجلب المفيد اللازم من العلوم والفنون والصنائع، وبرزت بين صفوف الدول العظام، دولة شرقية لها من بأسها منعة، ومن علمها واتحادها قوة تخشى، وحد يتقى، والناس أبناء ما يحسنون، ولله في خلقه شئون) [1] .

هذا، ولم يجد الدولة العثمانية وضعها للدستور ولا مجلس الشعب الذي كان أعضاؤه يمثلون جميع الولايات العثمانية بما فيها العراق والشام واليمن والحجاز؛ إذ كانت هذه الإصلاحات والدولة في طريقها للزوال والفناء.

فلم تحقق دعوة جمال الدين الإصلاحية ما حققته دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الإصلاحية؛ إذ أدرك الشيخ محمد أن المشروع الإصلاحي لا يمكن أن يرى النور إلا عن طريق دولة تقوم من أجل هذا المشروع. فاستطاع تجديد الخطاب السياسي الشرعي لما قبل قيام الدولة، إلا أنه بعد قيامها وسيطرتها على عامة الجزيرة العربية، توقف التجديد، وتم بعث الخطاب السياسي الشرعي المؤول كما جاء في كتب الأحكام السلطانية، فنجح في إقامة الدولة وبعث الروح الإسلامية من جديد وتجديد معالم التوحيد، إلا أن ذلك لم يواكبه تجديد فقهي، فكانت الدولة في فقهها على مذهب أحمد بن حنبل، وفي إدارتها لشئونها السياسية على ما جاء في كتاب الأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي، الذي كان نموذجا ككتب الأحكام السلطانية عموما للخطاب السياسي الشرعي المؤول، الذي كان نتاج العصر العباسي وظروفه الخاصة به.

لقد كان الشيخ بن عبد الوهاب عبقريا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى؛ إذ استطاع أن يحقق ما لم يستطع تحقيقه المصلحون منذ أواخر العصر العباسي إلى عصره، كما لم يستطع أحد بعده تحقيق ما حققه هو، ويمكن عزو أساب عدم التجديد في الخطاب السياسي الشرعي بعد قيام الدولة إلى عدم حاجة المجتمع إلى مثل هذا التجديد آنذاك، بل كانت حاجته إلى إصلاح العقائد، وإقامة الشرائع، وتحقيق الأمن والعدل، فهذا كل ما كان يحتاجه أهل الجزيرة العربية في عصره، إلا أن الدعوة إلى السلفية تقتضي إحياء سنن الخلفاء الراشدين في الحكم وسياسة شئون الأمة، والاقتداء بهديهم، واتباع طريقهم من رد الأمر شورى، والحيلولة دون توريث الإمامة، إذ هو الطريق إلى الاستبداد، ومن ثم السقوط.

(1) - خطرات جمال الدين الأفغاني ص 195- 222 باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت