البلدان، وكلهم مأمور بذلك، لا فرق بين قريبهم وبعيدهم، ولا بين المتحدين في الجنس ولا المختلفين فيه، وهو فرض عين على كل واحد منهم، إن لم يقم قوم بالحماية عن حوزتهم، كان على الجميع أعظم الآثام.
ومن فروضهم في سبيل الله الحماية وحفظ الولاية، بذل الأرواح والأموال، وركوب كل صعب، واقتحام كل خطب، ولا يباح لهم المسالمة مع من يغالبهم في حال من الأحوال، حتى ينالوا الولاية خاصة لهم دون غيرهم.
والعبث بالشريعة في طلب السيادة منهم على من يخالفهم، إلى حد لو عجز المسلم عن التملص من سلطة غيره لوجبت عليه الهجرة من دار حربه، يحس كل مسلم لهاتف يهتف من بين جنبيه، يذكره بما تطالبه الشريعة وما يفرضه عليه الإيمان، وهو هاتف الحق الذي بقي له من إلهامات دينه، ومع كل هذا نرى أهل هذا الدين في هذه الأيام، بعضهم في غفلة عما يلم بالبعض الآخر، ولا يألمون لما يألم له بعضهم، فأهل بلوجستان كانوا يرون حركات الانكليز، وعبثهم في أفغانستان، ينظرون إلى ذلك، ولا يجيش لهم جأش، ولا تبدو لهم نمرة على إخوانهم، والأفغانيون كانوا يشهدون تدخل الإنكليز في بلاد فارس ولا يضجرون، ولا يتململون، وكلاهما يعلمان ما في الهند، من ظلم وجور وفتك وسلب، ولا يتحركون، وإن جنود الإنكليز تضرب في الأراضي المصرية ذهابا وإيابا، تقتل وتفتك، ولا ترى نجدة في نفوس إخوانهم المشرفين على مجاري تلك الدماء والناظرين إلى تلك المصائب والبلاء.
ومما ساعد الأمة اليابانية على رقيها، وخلص سيرها من العرقلة، موقعها ومجتمع جزائرها في أقصى الشرق، فوجدت من الدهر مسالمة، وعن أنظار أولي المطامع من الغربيين بعدا، ينضم إلى ذلك سبب من أكبر الأسباب، وعامل من أقوى العوامل، ألا وهو ميل الأمبراطور (الميكادو) إلى تقييد حكومته بالدستور، وقبوله الشورى عن طيب خاطر، وسعيه بإخلاص وراء ذلك، فقد بعث من أفراد أسرته وعقلاء رعيته، بعثات لأوربا لدرس أشكال وقواعد الحكم النيابي الدستوري ... ، وعلمت اليابان، أن لا قوة مع الجهل ولا ضعف مع العلم، فكتمت غيظها وتحملت جور الغربيين وامتيازاتهم، وانصرفت للأخذ بالتقليد الصحيح، وثابرت على بعث البعثات العلمية اليابانية لأوروبا (بالمئات) وقسمتهم شعبا على شعب العلوم والفنون، من مالية وسياسية وعلمية وزراعية وطب وهندسة ... إلخ.
فلم يمض على سعي اليابان هذا ربع جيل، حتى انتظمت محاكمهم، وعم العلم الصحيح في ناشئتهم، وعرف القسم المنور ما يجب أن يعمله ويعلمه للطبقات الأخرى من قومه، في المدارس الوطنية اليابانية.
فتهيأ لهم بذلك المسعى، هيئة اجتماعية وقومية صحيحة، ومدنية لم يترك معها مجال للمكابرين من الغربيين (الإفرنج) أن يدعوا أو يفتروا عليهم بأنهم (شرقيين) ولا يحسنون أمر الإدارة، أو معرفة الحقوق العمومية، أو العدالة المطلقة البشرية.