فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 232

هذه الأمة شعبا شعبا، ويتقاسمون أراضيها قطعة بعد قطعة، ومماليكها مملكة بعد مملكة، وولاية بعد أخرى، ولم يبق لها كلمة تسمع، ولا أمر يطاع، حتى إن الباقين من ملوكها، يصبحون كل يوم في ملمة، ويمسون في كربة مدلهمة، ضاقت أوقاتهم عن سعة الكوارث التي تلم بهم، وصار الخوف عليهم أعظم من الرجاء لهم، نرى الأجانب علنا يغتصبون ديارنا، ويستذلون أهلنا، ويسفكون دماء الأبرياء من إخواننا، ولا نرى في أحد حراكا!

هذا العدد الوافر، والسواد الأعظم من هذه الملة، وغيرهم من الشرقيين لا يبذلون في الدفاع عن أوطانهم وأنفسهم شيئا من فضول أموالهم، يستحبون الحياة الدنيا، ويود كل واحد منهم لو يعيش ألف سنة وإن كان غذاؤه الذلة، وكساؤه المسكنة، ومسكنه الهوان ... ، أيحسب اللابسون لباس المؤمنين، أن الله يرضى منهم بما يظهر على الألسنة ولا يمس سواد القلوب؟ هل يرضى الله بأن يعبدوه على حرف؟ فإن أصابهم خير اطمأنوا به، وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم، خسروا الدنيا والآخرة! قل لي لو ثابر الأمريكيون دهرا على بث الشكوى من ولاة الإنكليز إلى مجلس وزراء الإنكليز، واستنفذوا المداد، وسودوا ما في الأرض من قرطاس تظلما واستغاثة، هل كان يفيدهم في استقلالهم شيئا؟ أو يكشف عنهم بلاء البريتانين؟؟ لا والذي جعل الجنة تحت ظلال السيوف؛ فقوة كل أمة كامنة في أفرادها، لا يظهرها إلا الاتحاد، ولا يخفيها إلا التفرق، فمن رام من الأمم استعادة مجدها، والتخلص ممن أذلها فليس غير طريق الاتحاد، ما يوصل إلى الغاية وينقذ من البلاء، ولا غير حب الموت ما ينجي من الموت، وينيل المرء إحدى الراحتين، فإما أن يعيش بحريته واستقلاله (سعيدا) ، وإما أن يموت دونهما (شهيدا) .

أروني مملكة أو أمة، انغمس ملوكها وأمرائها بالسفه والسرف، وعم الجهل طبقات الشعب وتفرقت كلمتهم، فاستكانوا للذل والهوان، لم تسقط تلك الملوك والأمراء عن عروشها، ولم يستعبدها الاستعمار، ويحل فيها الدمار!!

وهاتوا مملكة أو قارة، اتفقت كلمة أهلها، وأنفت من الذل، ورفضت الاستعباد، واستلت السيف، وطاب لها الحتف، ولم تنل استقلالها والتمتع بحريتها، ولو كان المستعمر أعظم الدول قوة واقتدارا.

وهل يشك المصريون وهم يزيدون عن العشرة الملايين وكلهم أحفاد الغزاة الفاتحين من أعز قبائل العرب، وإخوانهم الأقباط، أحفاد الأشداء الذين آثارهم تدل على عظم هممهم أنهم إذا نهضوا لم يظفروا بالاستقلال والحرية، وإعادة المجد القديم لذلك القطر السعيد.

بلى!! وإنهم سينهضون إن شاء الله ويعملون متحدين معتصمين بحبل الله، وينالون ما يتمنون بحول الله والله على كل شيء قدير.

من العجيب الغريب، وما يدعو إلى الحيرة، ما نراه من المسلمين، فهم بحكم شريعتهم ونصوصها الصريحة مطالبون عند الله بالمحافظة على ما يدخل في ملكهم وولايتهم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت