الإنسان"من خصائص،. خصائص الروح والفكر،. فأما حين تكون آصرة التجمع في مجتمع هي الجنس واللون والقوم والأرض، .. وما إلى ذلك من الروابط، فظاهر أن الجنس واللون والقوم والأرض لا تمثل الخصائص العليا للإنسان،. فالإنسان يبقى إنسانًا بعد الجنس واللون والقوم والأرض، ولكنه لا يبقى إنسانًا بعد الروح والفكر! ثم هو يملك - بمحض إرادته الحرة - أن يغير عقيدته وتصوره وفكره ومنهج حياته، ولكنه لا يملك أن يغير لونه ولا جنسه، كما إنه لا يملك أن يحدد مولده في قوم ولا في أرض،. فالمجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمر يتعلق بإرادتهم الحرة واختيارهم الذاتي هو المجتمع المتحضر،. اما المجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمر خارج عن إرادتهم الإنسانية فهو المجتمع المتخلف،. أو بالمصطلح الإسلامي،. هو"المجتمع الجاهلي"!"
والمجتمع الإسلامي وحده هو المجتمع الذي تمثل فيه العقيدة رابطة التجمع الأساسية، والذي تعتبر فيه العقيدة هي الجنسية التي تجمع بين الأسود والأبيض والأحمر والأصفر والعربي والرومي والفارسي والحبشي وسائر أجناس الأرض في أمة واحدة، ربها الله، وعبوديتها له وحده، والكرم فيها هو الأتقى، والكل فيها أنداد يلتقون على أمر شرعه الله لهم، ولم يشرعه أحد من العباد!
وحين تكون"إنسانية"الإنسان هي القيمة العليا في مجتمع، وتكون الخصائص"الإنسانية"فيه هي موضع التكريم والاعتبار، يكون هذا المجتمع متحضرًا،. فأما حين تكون"المادة"- في أية صورة - هي القيمة العليا،. سواء في صورة"النظرية"كما في التفسير الماركسي للتاريخ! أو في صور"الإنتاج المادي"كما في أمريكا وأوروبا وسائر المجتمعات التي تعتبر الإنتاج المادي قيمة عليا تهدر في سبيلها القيم والخصائص والإنسانية،. فإن هذا المجتمع يكون مجتمعًا متخلفًا،. أو بالمصطلح الإسلامي مجتمعًا جاهليًا!
إن المجتمع المتحضر،. الإسلامي،. لا يحتقر المادة، لا في صورة النظرية (باعتبارها هي التي يتألف منها هذا الكون الذي نعيش فيه ونتأثر فيه ونؤثر فيه أيضًا) ولا في صور"الإنتاج المادي".فالإنتاج المادي من مقومات الخلافة في الأرض عن الله - ولكنه فقط لا يعتبرها هي القيمة العليا التي تهدر في سبيلها خصائص"الإنسان"ومقوماته!،. وتهدر من أجلها حرية الفرد وكرامته. وتهدر فيها قاعدة"الأُسرة"ومقوماتها، وتهدر فيها أخلاق المجتمع وحرماته،. إلى آخر ما تهدره المجتمعات الجاهلية من القيم العليا والفضائل والحرمات لتحقق الوفرة في الإنتاج المادي!
وحين تكون"القيم الإنسانية"و"الأخلاق الإنسانية"التي تقوم عليها، هي السائدة في مجتمع، يكون هذا المجتمع متحضرًا. والقيم الإنسانية والأخلاق الإنسانية ليست مسألة غامضة مائعة وليست كذلك قيمًا"متطورة"متغيرة متبدلة، لا تستقر على حال ولا ترجع إلى أصل، كما يزعم التفسير المادي للتاريخ، وكا تزعم"الاشتراكية العلمية"!