إنها القيم والأخلاق التي تنمِّي في الإنسان خصائص الإنسان التي يتفرد بها دون الحيوان، والتي تُغَلِّب فيه هذا الجانب الذي يميزه ويعزوه عن الحيوان، وليست هي القيم والأخلاق التي تنمِّي فيه وتُغَلِّب الجوانب التي يشترك فيها مع الحيوان،
وحين توضع المسألة هذا الوضع يبرز فيها خط فاصل وحاسم"وثابت"لا يقبل عملية التمييع المستمرة التي يحاولها"التطوريون"! و"الاشتراكيون العلميون"!
عندئذ لا يكون اصطلاح البيئة وعرفها هو الذي يحدد القيم الأخلاقية، إنما يكون وراء اختلاف البيئة ميزان ثابت،. عندئذ لا يكون هناك قيم وأخلاق"زراعية"وأخرى"صناعية"! ولا قيم وأخلاق"رأسمالية"وأخرى"اشتراكية"،ولا قيم وأخلاق"برجوازية"وأخرى"صعلوكية"! ولا تكون هناك أخلاق من صنع البيئة ومستوى المعيشة وطبيعة المرحلة،. إلى آخر هذه التغيرات السطحية والشكلية،. إنما تكون هناك - من وراء ذلك كله - قيم وأخلاق"إنسانية"وقيم وأخلاق"حيوانية"- إذا صح هذا التعبير! - أو بالمصطلح الإسلامي: قيم وأخلاق"إسلامية"وقيم وأخلاق"جاهلية".
إن الإسلام يقرر قيمه وأخلاقه هذه"الإنسانية"- أي التي تنمِّي في الإنسان الجوانب التي تفرقه وتميزه عن الحيوان - ويمضي غي إنشائها وتثبيتها وصيانتها في كل المجتمعات التي يهيمن عليها سواء كانت هذه المجتمعات في طور الزراعة أم في طور الصناعة، وسواء كانت مجتمعات بدوية تعيش على الرعي أو مجتمعات حضرية مستقرة، وسواء كانت هذه المجتمعات فقيرة أو غنية،.
إنه يرتقي صعدًا بالخصائص الإنسانية، ويحرسها من النكسة إلى الحيوانية،. لأن الخط الصاعد في القيم والاعتبارات يمضي من الدرك الحيواني إلى المرتفع الإنساني،. فإذا انتكس هذا الخط - مع حضارة المادة - فلن يكون ذلك حضارة! إنما هو"التخلف"أو هو"الجاهلية"!
وحين تكون"الأسرة"هي قاعدة المجتمع. وتقوم هذه الأسرة على أساس"التخصص"بين الزوجين في العمل. وتكون رعاية الجيل الناشئ هي أهم وظائف الأسرة،. يكون هذا المجتمع متحضرًا،. ذلك أن الأسرة على هذا النحو - في ظل المنهج الإسلامي - تكون هي البيئة التي تنشأ وتُنَمِّى فيها القيم والأخلاق"الإنسانية"التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة، ممثلة في الجيل الناشئ، والتي يستحيل أن تنشأ في وحدة أخرى غير وحدة الأسرة، فأما حين تكون العلاقات الجنسية (الحرة كما يسمونها) والنسل (غير الشرعي) هي قاعدة المجتمع،. حين تقوم العلاقات بين الجنسين على أساس الهوى والنزوة والانفعال، لا على أساس الواجب والتخصص الوظيفي في الأُسرة،. حين تصبح وظيفة المرأة هي الزينة والغواية والفتنة،. وحين تتخلى المرأة عن وظيفتها الأساسية في رعاية الجيل الجديد، وتُؤْثِر هي - أو يُؤْثِر لها المجتمع - أن تكون مضيفة في فندق أو سفينة أو طائرة!،. حين تنفق طاقتها في"الإنتاج"