بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
الحرية أو الطوفان كتاب رائع جدا، بإذن ربه يخرج من ظلمات الرّق وذله، إلى نور الحرية وكرامتها، وإلى فضاء العتق وعبقه؛ ثورة على الاستعباد والاستبداد، ودعوة إلى الشورى، والعدل، والإحسان؛ مرصعا بالنصوص القاطعة، والحجج الداحضة، والأحداث الثابتة، والتعليقات الصائبة؛ يسير بك في حلقة منظومة، محطتها الرئيسية الأولى سقيفة بني ساعدة؛ ساعة موت محمد - صلى الله عليه وسلم - والصحابة يتشاورون فيمن يخلف محمدا؟ فينطلق بك بعدها بسرعة موزونة، في رحلة شائقة تود لو أنها تطول وتطول؛ وينتهي بك إلى عتبة زمانك وساعة يومك وليلتك هذه اللحظة المرّة التي نعيشها، واضعا يده على مكامن الداء والبلاء الذي حل بأمة الإسلام، مشيرا بالأخرى إلى جرعات الدواء من معين القرآن والسنة، وما كان عليه خلفاء الأمة الراشدين ومن استنّ بسننهم واقتفى أثرهم.
اقرأ في هذا الكتاب وتمعن، وتأمل، فستجد أنموذجا رائعا لرجال مؤمنين، صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ وقضوا نحبهم على ذلك؛ أولئك هم ورثة الأنبياء حقا، الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، أتباع سلامة المنهج، لا أتباع منهج السلامة والغنيمة الباردة العاجلة.
اقرأ وانضم للركب المبارك، ركب العودة بالأمة حكاما ومحكومين، إلى ما كان عليه حال نبيها - صلى الله عليه وسلم -،وما كان عليه خلفاؤه الراشدون، كما في الحديث عن الْعِرْبَاضَ بْنِ سَارِيَةَ، قال: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ، فَاعْهَدْ إِلَيْنَا بِعَهْدٍ، فَقَالَ: «عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [1]
(1) - سنن ابن ماجه (1/ 15) (42) صحيح [ش (ذات يوم) لفظة"ذات"مقحمة. (بليغة) من المبالغة. أي بالغ فيها بالإنذار والتخويف. (وجلت) كسمعت أي خافت. (وذرفت) أي سالت. وفي إسنادها إلى العيون مع أن السائل دموعها مبالغة. والمقصود أنها أثرت فيهم ظاهرا وباطنا. (وان عبدا حبشيا) أي وإن كان الأمير عبدا حبشيا. (الخلفاء الراشدين) قيل هم الأربعة - رضي الله عنهم - م. وقيل بل هم ومن سار سيرتهم من أئمة الإسلام. فانهم خلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام في إعلاء الحق وإحياء الدين وإرشاد الخلق إلى الصراط المستقيم. (النواجذ) الأضراس. قيل أراد به الجد في لزوم السنة كفعل من امسك الشيء بين أضراسه وعض عليه منعا من أن ينتزع. أو الصبر على ما يصيب من التعب في ذات الله. كما يفعل المتألم بالوجع يصيبه] .