البطولة، ولأن وضعها يصير السياسة ألزم للحياة من الماء والهواء؛ ولأن السياسة نوع من الجهاد، ونحن مجاهدون بالطبيعة، فنحن سياسيون بالطبيعة ... ، ولا نقول ربحنا أو خسرنا، فالربح والخسارة من مفردات قاموس التجار، أما الجهاد الذي غايته تثبيت الحقائق الإلهية في الأرض، وغرس البذور الروحية في الوجود، فغلته سماوية، لا تحمل معاني التراب، متساوية لا تسف إلى ما تحت السحاب، وأما المجاهدون في سبيل ذلك فلا يعدون الربح والخسارة في آرابهم، ولا يدخلون الوقت طال أم قصر في حسابهم) [1] .
لقد تكررت المأساة التي ذكرها الكواكبي من قبل؛ حيث أصبح علماء الدين وسيلة يتم توظيفها لخدمة السلطة باسم الدين والسنة، حيث قال:(وَمن أهم دسائس المتعممين، أَنهم ينفثون فِي صُدُور الْأُمَرَاء لُزُوم الِاسْتِمْرَار على الِاسْتِقْلَال فِي الرَّأْي، وَإِن كَانَ مضرًا، ومعاداة الشورى وَإِن كَانَت سنة، والمحافظة على الْحَالة الْجَارِيَة، وَإِن كَانَت سَيِّئَة، ويلقون عَلَيْهِم بِأَن مُشَاركَة الْأمة فِي تَدْبِير شؤونها، وَإِطْلَاق حريَّة الانتقاد لَهَا، يخل بنفوذ الْأُمَرَاء، وَيُخَالف السياسة الشَّرْعِيَّة؛ ويلقنونهم حجَجًا واهنة، لَوْلَا أَن أمامها جهل الْأمة، ووراءها سطوة الْإِمَارَة، لما تحركت بهَا شفتان، وَلَا تردد فِي ردهَا إِنْسَان.
وَالْأَمر الْأَمر أَن أُولَئِكَ الْأُمَرَاء يقتبسون من هَذِه الْحجَج، مَا يتسلحون بِهِ فِي مُقَابلَة من يعْتَرض على سياستهم من الدول الْأَجْنَبِيَّة، بقَوْلهمْ: إِن قَوَاعِد الدّين الإسلامي لَا تلائم أصُول الشورى، وَلَا تقبل النظام والترقيات المدنية، وانهم مغلوبون على أَمرهم، ومضطرون لرعاية دين رعاياهم، ومجاراة ميل الْفِكر الْعَام.
ولنرجع لبحث الْعلمَاء الرسميين، فَنَقُول: بِهَذِهِ القوانين عِنْد العثمانيين، وباشباهها عِنْد اكثر حكومات الْمُسلمين، ضل المتعممون وصاروا أضرّ على الدّين من الشَّيَاطِين.
وبهذه القوانين اسْتَأْثر الجهلاء الْفَاسِقُونَ بمزايا الْعلمَاء العاملين، واغتصبوا أَرْزَاقهم من بَيت المَال وَمن أوقاف الأسلاف؛ فبالضرورة قلت الرغبات فِي تَحْصِيل الْعُلُوم، وثبطت الهمم، وَصَارَ طَالب الْعلم يضْطَر للاكتفاء ببلغة مِنْهُ، ويشتغل بالاحتراف للارتزاق؛ وَهَكَذَا فسد الْعلم، وَقل أَهله، فاختلت التربية الدِّينِيَّة فِي الْأمة، فَوَقَعت فِي الفتور وعمت فِيهَا الشرور.) [2] .
ومما يؤكد البون الشاسع بين الفكر السلفي قبل ظهور الخطاب المبدل، والفكر السلفي بعد ظهوره ما جاء في رسالة العلامة السلفي الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ وموقفه من الأمير عبد الله الذي استعان بالدولة العثمانية على الأمير سعود.
قال رحمه الله:"(وبعد، تفهمون أنه لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، وقد حصل من التفرق والاختلاف والخوض في الأهواء المضلة ما هدم من الدين أصله وفرعه، وطمس"
(1) - دور العلماء المسلمين في ثورة الجزائر للنعيمي ص 1- 140
(2) - أم القرى (ص: 51)