فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 232

جميع القيم المادية - هذا مع أن من مفهوم الخلافة تحقيق هذه القيم المادية، ولكن بحيث لا تصبح هي الأصل ولا تطغى على تلك القيم العليا - ولهذا وزنه في توجيه القلب البشري إلى الطهارة والارتفاع والنظافة في حياته. بخلاف ما توحيه المذاهب المادية من استهزاء بكل القيم الروحية، وإهدار لكل القيم الأدبية، في سبيل الاهتمام المجرد بالإنتاج والسلع ومطالب البطون كالحيوان!! [1]

ولهذا أكد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى في أحاديث كثيرة، فعَنْ أَبِي الْعَلَاءِ يَزِيدَ قَالَ: وَفَدَ أَبِي فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْتَ سَيِّدُنَا، وَذُو الطَّوْلِ عَلَيْنَا قَالَ: «مَهْ مَهْ، قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ، السَّيِّدُ اللَّهُ، السَّيِّدُ اللَّهُ، السَّيِّدُ اللَّهُ» [2] لبيان أن السيادة المطلقة هي لله، والبشر جميعا إخوة، لا سيادة لأحد منهم على أحد، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلَا يَقُلِ الْمَمْلُوكُ: رَبِّي وَرَبَّتِي، وَلَكِنْ لِيَقُلِ الْمَالِكُ: فَتَايَ وَفَتَاتِي، وَالْمَمْلُوكُ: سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي، فَإِنَّكُمُ الْمَمْلُوكُونَ، وَالرَّبُّ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" [3] .

فالحرية في الإنسان أصل حتى لو طرأ عليه الرق لهذا قرر الفقهاء قاعدة أن الأصل في الإنسان الحرية؛ ولهذا جاء الإسلام بالدعوة إلى تحرير الرقيق، وجعل ذلك من أعظم القربات إلى الله، كما جعله كفارة لكثير من الذنوب، وأمر بمكاتبة من يريد المكاتبة منهم، من أجل أن يحرر نفسه من الرق.

وقد ذهب كثير من العلماء إلى وجوب مكاتبة السيد لرقيقه، إذا طلب الرقيق ذلك ووجوب مساعدته من ماله ليتحرر. [4]

وقد أدرك عمر مقاصد الإسلام من هذه الدعوة، فبادر بإعلان تحرير كل العرب الأرقاء منذ الجاهلية، فكانت أول حركة تحرير للرق عرفها العالم، ودفع تعويضا لكل من كان لديه رقيق من العرب، وألزمهم بتحريرهم، فأصبح العرب قاطبة أحرارا؛ بعد أن كان فيهم أرقاء منذ العصر الجاهلي، بسبب الحروب فيما بينهم والسبي، فجاء الإسلام فحررهم.

كما جعل الله من مصارف الزكاة الثمانية مصرف: {وفي الرقاب} أي شراء الرقيق، وتحريرهم من أموال الزكاة ومن بيت مال المسلمين. [5]

كل ذلك يؤكد أهمية الحرية في الشريعة الإسلامية؛ إذ المقصود ألا تكون هناك أي عبودية إلا لله وحده؛ فعن أبى فراس، أن عمر بن الخطاب خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط 1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 257)

(2) - الطبقات الكبرى ط دار صادر (7/ 34) صحيح

(3) - السنن الكبرى للنسائي (9/ 101) (10001) صحيح

(4) - تفسير القرطبي (12/ 244)

(5) - وعليه يجب الالتزام بما جاء في المواثيق الدولية من منع الاسترقاق؛ إذ هو موافق لمقاصد الشريعة الإسلامية التي تتشوف إلى تحرير الإنسان من الرق. (المؤلف عفا الله عنه)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت