قال: أيّها الناس إنه قد أتى علىّ زمان وأنا أحسب أن من قرأ القرآن إنما يريد به الله وما عنده، وقد خيّل إلىّ بآخره أنه قد قرأه أقوام يريدون به الدنيا ويريدون به الناس، ألا فأريدوا الله بأعمالكم وأريدوه بقراءتكم، ألا إنما كنّا نعرفكم إذ ينزل الوحى وإذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا، وإذ ينبئنا الله من أخباركم، فقد انقطع الوحى، وذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنما نعرفكم بما نقول لكم الآن، من رأينا منه خيرا ظننّا به خيرا وأحببناه عليه، ومن رأينا منه شرّا ظننّا به شرّا وأبغضناه عليه، سرائركم فيما بينكم وبين ربّكم، ألا إنّى إنما أبعث عمّالى ليعلّموكم دينكم ويعلّموكم سننكم ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ولا يأخذوا أموالكم، ألا فمن أتى إليه شئ من ذلك فليرفعه إلىّ، فوالذى نفس عمر بيده لأقصّنّه منه.
فقام عمرو بن العاص فقال: أرأيت يا أمير المؤمنين إن عتب عامل من عمّالك على بعض رعيّته فأدّب رجلا من رعّيته إنك لمقصّه منه؟ قال: نعم، والذي نفس عمر بيده لأقصّنّه منه، ألا أقصّه وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقصّ من نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين فتذلّوهم ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تجمّروا بهم فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعّوهم. فأتى رجل من أهل مصر كما حدّثنا عن أبى عبدة، عن ثابت البنانىّ وحميد، عن أنس إلى عمر بن الخطّاب فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربنى بالسّوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصرىّ؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الألأمين، قال أنس: فضرب فوالله لقد ضربه ونحن نحبّ ضربه فما أقلع عنه حتى تمنّينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصرىّ: ضع على ضلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربنى وقد اشتفيت منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبّدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا؟ قال يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتنى. [1] .
الخلاصة في بيان معنى الحرية هنا:
-أن حرية الإنسان تقتضي أن لا قيد على تصرفاته، إلا ما كان محظورا أو يفضي إلى الضرر بالمصلحة العامة أو بالآخرين.
-أنه لا يحق للسلطة أن تخضع الأفراد لطاعتها بالقوة والإكراه، ولا أن تلزمهم برأي أو وجهة نظر.
-وأن للإنسان في ظل الشريعة الإسلامية الحق في حرية التملك، والبيع والتجارة والتنقل والعمل وتقاضي الأجرة المناسبة.
-وأن للإنسان رفض تنفيذ أي أمر للسلطة يتنافى مع عقيدته ويرى حرمته.
-كما له الحق في إبداء الرأي ونقد السلطة.
(1) - فتوح مصر والمغرب (ص: 195) فيه انقطاع