حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ»،قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ» [1]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهم -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَاخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ القُرُونِ قَبْلَهَا، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ» ،فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَقَالَ: «وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ» [2]
قال ابن حجر: (ويُحتَمَل أَن يَكُون الجَواب اختَلَفَ بِحَسَب المَقام، فَحَيثُ قالَ فارِس والرُّوم كانَ هُناكَ قَرِينَة تَتَعَلَّق بِالحُكمِ بَين النّاس وسِياسَة الرَّعِيَّة، وحَيثُ قِيلَ اليَهُود والنَّصارَى كانَ هُناكَ قَرِينَة تَتَعَلَّق بِأُمُورِ الدِّيانات أُصُولها وفُرُوعها) [3]
وهذا يؤكد مدى الارتباط بين وقوع الانحراف في الإمامة، و وقوع الانحراف في الدين، وأن الأول سبب في الثاني.
لقد أصبح ما كان مرفوضا في نصف القرن الأول الهجري - بدعوى أنه سنة هرقل وقيصر - جائزا مشروعا في القرن الثالث، بدعوى القياس على حادثة استخلاف أبي بكر لعمر؟!
هذا مع إجماع أهل الإسلام - خاصة أهل السنة - على أنه لا يجوز التوارث فيها.
لقد أجمع الصحابة - - رضي الله عنهم - م - على أن الإمامة إنما تكون بعقد البيعة، بعد الشورى والرضا من الأمة، كما أجازوا الاستخلاف بشرط الشورى، ورضا الأمة بمن اختاره الإمام، وعقد الأمة البيعة له بعد وفاة من اختاره دون إكراه.
إضاءة:
قال ابن حزم في شأن الإمامة: (لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز التوارث فيها) [4] .
وإذا كانت نظرية الاستخلاف قد وجدت لها سندا شرعيا مؤو ً لا حتى أصبحت طريًقا مشروعا لتوريث الإمامة للأبناء، بدعوى جواز العهد لهم كغيرهم، فإن نظرية الاستيلاء بالقوة قد وجدت طريقها أيضا بعد عبد الملك بن مروان لتصبح الطريقة الثالثة - عند كثير من الفقهاء - التي تنعقد بها الإمامة! إلا أن هذه الطريقة إنما أجازوها من باب الضرورة، مع إجماعهم على حرمتها مراعاة لمصالح الأمة وحفاظا على وحدتها.؟!
(1) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 707) 7320 - 1950 - [ش أخرجه مسلم في العلم باب اتباع سنن اليهود والنصارى رقم 2669]
(2) - صحيح البخاري (9/ 102) (7319)
[ش (بأخذ القرون) تسير بسيرة الأمم قبلها. (شبرا بشبر) الشبر ما بين رأس الإبهام ورأس الخنصر والكف مفتوحة مفرقة الأصابع والمراد بيان شدة اتباعهم والمبالغة في تقليدهم. وذكر فارس والروم لأنهم كانوا أكبر ممالك الأرض حينئذ وأكثرهم رعية وأوسعهم بلادا والناس إنما يقلدون من كان هذا حاله وليس المراد الحصر. وكذلك ذكره لليهود والنصارى في الحديث الآتي لأنهم كانوا المشهورين بالديانات السماوية]
(3) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 301)
(4) - الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 129)