فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 232

اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى جَيْشِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَقَالَ:"فَإِنْ أُصِيبَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ أُصِيبَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ فَلْيَرْتَضِ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا"فَتَقَدَّمَ زَيْدٌ فَقُتِلَ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرٌ وَتَقَدَّمَ فَقُتِلَ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَتَقَدَّمَ فَقُتِلَ، فَاخْتَارَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ"."

وَإِذْ فَعَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذَلِكَ فِي الْإِمَارَةِ جَازَ مِثْلُهُ فِي الْخِلَافَةِ، فَإِنْ قِيلَ: هِيَ عَقْدُ وِلَايَةٍ عَلَى صِفَةٍ وَشَرْطٍ وَالْوِلَايَاتُ لَا يَقِفُ عَقْدُهَا عَلَى الشُّرُوطِ وَالصِّفَاتِ، قِيلَ: هَذَا مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَتَّسِعُ حُكْمُهَا عَلَى أَحْكَامِ الْعُقُودِ الْخَاصَّةِ، فَقَدْ عَمِلَ بِذَلِكَ فِي الدَّوْلَتَيْنِ مَنْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ، هَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَهِدَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثُمَّ بَعْدَهُ إلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. [1]

وبمثل هذا التأويل والقياس فاسد الاعتبار لمصادمته السنن المعلومة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ترك الأمر شورى بين المسلمين يتم إضفاء الشرعية على السنن الهرقلية والقيصرية باسم الدين؟!!

وكأن الماوردي لم يسمع بمعارضة سعيد بن المسيب وإنكاره مثل هذا الأمر، وهو إمام التابعين في عصره؟! وكأنه لم يسمع بمعارضة كبار الصحابة كابن عمر وابن عباس وابن أبي بكر وابن الزبير والحسين بن علي لمعاوية لما أراد أن يعهد بالأمر إلى ابنه؟! دع عنك ثلاثة وأكثر!

لقد كان الماوردي يعبر عن واقع عصره أكثر من تعبيره عن مبادئ الخطاب السياسي الإسلامي، ويظهر البون شاسعا بين تأويله وتفسيره لحادثة عهد أبي بكر لعمر وفهم الصحابة لهذه الحادثة على وجهها الصحيح الموافق لتعاليم الدين المترل.

لقد كان الماوردي - وهو يعبر عن فقه العصر العباسي - يوظف النصوص من حيث لا يشعر في خدمة الواقع، بخلاف الصحابة الذين صاغوا الواقع - أو أرادوا صياغته - بحسب ما جاءت به النصوص، أي صار الواقع هو الذي يملي مفاهيمه التي يجب تأويل نصوص الشريعة من أجلها، ومن أجل إضفاء الشرعية عليها، لا العكس؟!

وبمثل هذا الفقه الماوردي شاع الاستبداد السياسي، واستقرت سنن هرقل وقيصر فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ،

(1) - الأحكام السلطانية للماوردي (ص: 36)

قلت: من الواضح أنَّ الإمام الماوردي لا يعير أيَّ اهتمام أو دور للبيعة العامَّة التي كانت تتمّ للخلفاء، وكأنَّها لا قيمة لها، أو أنها مجرَّد تحصيل حاصل، وهذا خطأ كبير؛ فعمر بن عبد العزيز -مثلًا- وقد استشهد المصنِّف بأن سليمان بن عبد الملك قد عهد إليه بالأمر من بعده، لم يعترف بهذه الولاية إلّا بعد مبايعة الأمة، يقول السيوطي: ثم مات سليمان، وفتح الكتاب، فإذا فيه: العهد لعمر ابن عبد العزيز، فتغيَّرت وجوه بني عبد الملك، فلمَّا سمعوا:"وبعده يزيد بن عبد الملك"تراجعوا، فأتوا عمر فسلَّموا عليه بالخلافة، فعقر به، فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بضبعيه، فدنوا به إلى المنبر وأصعدوه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني لست بفارضٍ ولكني منفذ، ولست بمبتدع، ولكني متَّبِع، وإنَّ من حولكم من الأمصار والمدن إن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم، وإن هم أبوا فلست لكم بوالٍ ...""تاريخ الخلفاء: ص 362". (المحقق) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت