اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ هَارِبًا مِنَ العراق، وكان عند ما بَلَغَهُ مَوْتُ يَزِيدَ خَطَبَ النَّاسَ، وَنَعَى إِلَيْهِمْ يَزِيدَ وَقَالَ: اخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَمِيرًا، فقَالُوا: نَخْتَارُكَ حَتَّى يَسْتَقِيمَ أَمْرُ النَّاسِ، فَوَضَعَ الدُّيُونَ وَبَذَلَ الْعَطَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ سَلَمَةُ الرياحي بِنَاحِيَةِ الْبَصْرَةِ، فَدَعَا إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَمَالَ النَّاسُ إِلَيْهِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ: اخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ، قَالُوا: نَخْتَارُكَ، فَبَايَعُوهُ وَقَالُوا: أَخْرِجْ لَنَا إِخْوَانَنَا، وَكَانَ قَدْ مَلَأَ السُّجُونَ مِنَ الْخَوَارِجِ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا فَإِنَّهُمْ يُفْسِدُونَ عَلَيْكُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَهُمْ، فَجَعَلُوا يُبَايِعُونَهُ، فَمَا تَتَامَّ آخِرُهُمْ حَتَّى أَغْلَظُوا لَهُ، ثُمَّ خَرَجُوا فِي نَاحِيَةِ بَنِي تَمِيمٍ. [1]
وَيُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ هَذَا نَادَى فِي النَّاسِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. ذَاتَ يَوْمٍ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ وُلِّيتُ أَمْرَكُمْ وَأَنَا ضَعِيفٌ عَنْهُ، فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ تَرَكْتُهَا لِرَجُلٍ قَوِيٍّ، كَمَا تَرَكَهَا الصِّدِّيقُ لِعُمَرَ، وَإِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا شُورَى فِي سِتَّةٍ مِنْكُمْ كَمَا تَرَكَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ هُوَ صَالِحٌ لِذَلِكَ، وَقَدْ تَرَكْتُ لَكُمْ أَمْرَكُمْ، فَوَلُّوا عَلَيْكُمْ مَنْ يَصْلُحُ لَكُمْ. [2] .
وبايع الناس عبدالله بن الزبير بمكة خليفة، وبايعه أهل الأمصار قاطبة إلا أهل دمشق، وظل خليفة إلى أن قتل سنة (73 هـ) بعد أن حج بالناس عشر سنين، وكان حسن السيرة جيد السياسة، عادلا مقسطا، أشبه الخلفاء سيرة بالأربعة الراشدين.
وكان آخر الخلفاء الذين اختارتهم الأمة عن شورى ورضا ليبدأ عصر جديد!
س: ما هو هذا العصر الجديد؟
ج: هو عصر (الخليفة المتغلب) وهو عهد عبدالملك بن مروان، وهو أول خليفة ينتزع الخلافة بقوة السيف والقتال، مما سيؤثر على الفقه السياسي بعد ذلك أكبر الأثر! وبايعه الناس كرها، بعد مقتل عبد الله بن الزبير وهو ما لم يكن للأمة به عهد من قبل.
ولم يكتف عبدالملك بن مروان بالاستيلاء على الخلافة بالسيف، بل سنّ للناس سنة البيعتين لولديه من بعده! وألزم الناس بهما؛ وأنكر عليه سعيد بن المسيب هذا الأمر وقال: لَا أُبَايِعُ اثْنَيْنِ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ قَالَ: قِيلَ: ادْخُلْ مِنْ بَابٍ وَاخْرُجْ مِنَ الْبَابِ الْآخَرِ قَالَ:"وَاللَّهِ لَا يَقْتَدِي بِي أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ قَالَ: فَجَلَدُوهُ مِائَةً وَأَلْبَسُوهُ الْمُسُوحَ" [3]
ومع شهرة هذه الحادثة فقد ادعى الماوردي أن عقد البيعتين هذا عمل به في الدولتين الأموية والعباسية ولم ينكره أحد من علماء العصر؟! وَلَوْ عَهِدَ الْخَلِيفَةُ إلَى اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَرَتَّبَ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ، فَقَالَ الْخَلِيفَةُ: بَعْدِي فُلَانٌ، فَإِنْ مَاتَ فَالْخَلِيفَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ فُلَانٌ، فَإِنْ مَاتَ فَالْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ فُلَانٌ جَازَ وَكَانَتْ الْخِلَافَةُ مُتَنَقِّلَةً إلَى الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا رَتَّبَهَا، فَقَدْ اسْتَخْلَفَ رَسُولُ
(1) - تاريخ الإسلام ت تدمري (5/ 36)
(2) - البداية والنهاية ط هجر (11/ 663)
(3) - الزهد لأحمد بن حنبل (ص: 310) (2258) وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 170) حسن