فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 232

وهذا المفهوم لا يمكن أن يفهم على ضوء الأحداث السياسية في عهد الصحابة وموقفهم من بيعة يزيد؛ فقد اشترط ابن عمر وابن عباس دخول الأمة كلها والرضا بيزيد خليفة عليهم؛ إذ الحق للأمة وهم تبع لها، بينما رأى ابن الزبير وابن أبي بكر والحسين أنه لا يمكن الدخول بالبيعة، حتى لو بايع الناس، ما دام عنصر الإكراه المادي أو المعنوي قائما؛ وقد توفي عبدالرحمن بن أبي بكر في عهد معاوية، وَقَالَ: إِنَّكَ وَاللَّهِ لَوْدِدْتُ أنا وكّلناك في أمر ابنك إلى الله، وَإِنَّا وَاللَّهِ لا نَفْعَلُ، وَاللَّهِ لَتَرُدُنَّ هَذَا الأَمْرَ شُورَى فِي الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لنُعِيدُنَّهَا عَلَيْكَ جذعة" [1] "

مما يؤكد عزمه على القتال دفاعا عن مبدأ الشورى، وأن لا طاعة للإمام إذا استلب الأمة حقها؛ وهذا ما مارسه الحسين بن علي، وابن الزبير، وعبدالله بن حنظلة؛ بقتالهم وخروجهم على يزيد تحت شعار (الرضا والشورى) ومعهم المئات من العلماء من أبناء الصحابة والتابعين.

لقد قاتل معاوية نفسه الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، على مبدأ الشورى وخرج عن طاعته، بدعوى رد الأمر شورى بين الأمة، لتختار من تجمع عليه، عن الزهري قال: لما بلغ معاوية قتل طلحة والزبير، وَظُهُوْرُ عَلِيٍّ، دَعَا أَهْلَ الشَّامِ لِلْقِتَالِ مَعَهُ عَلَى الشُّوْرَى وَالطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَبَايَعُوْهُ عَلَى ذلك أميرا غير خليفة. [2]

لقد كان مبدأ الشورى من الأهمية بمكان حتى جرد الصحابة - رضي الله عنهم - م سيوفهم دفاعا عنه وصيانة له، وليس (الشورى والرضا) سوى الحرية السياسية بمفهومها الشامل.

ولهذا كان عبدالله بن الزبير في مكة قبل وفاة يزيد لا يقطع أمرا دون أهل الحل والعقد، ورءوس الناس في مكة، وكان يشاورهم في كل أموره، لا يستبد عليهم بشيء، وكان يرفع شعار (لا حكم إلا لله) وكان يقيم الحج للناس في مكة، ويصلي بهم الجمعة بلا إمارة ولا خلافة، بعد أن طرد عمال يزيد من مكة.

إشارة:

قال الذهبي: وَوَلِيَ مُعَاوِيَةُ، فَبَالَغَ فِي التَّجَمُّلِ وَالهَيْئَةِ، وَقَلَّ أَنْ بَلَغَ سُلْطَانٌ إِلَى رُتْبَتِهِ، وَلَيْتَهُ لَمْ يَعْهَدْ بِالأَمْرِ إِلَى ابْنِهِ يَزِيْدَ، وَتَرَكَ الأُمَّةَ مِنِ اخْتِيَارِهِ لَهُم. [3]

كل ذلك يؤكد أهمية مبدأ الشورى والرضا وخطورته، حيث أدى غيابها إلى اضطراب الأمة على يزيد الذي لم يحكم سوى أربع سنين، كلها فتنة وحروب داخلية، وبعد وفاة يزيد سنة (64 هـ وقَالَ حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ عِنْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ: أَقِيمُوا أَمْرَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكُمْ شَامَكُمْ، فَتَكُونُ فِتْنَةً، فَكَانَ رَأْيُ مَرْوَانَ أَنْ يُرَدَّ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَيُبَايِعُهُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ عَبْدُ

(1) - المفصل في شرح السنن النبوية في الأحكام السياسية (ص: 243) وتاريخ الإسلام ت تدمري (4/ 149)

(2) - سير أعلام النبلاء ط الحديث (2/ 523) وتاريخ الإسلام ت تدمري (3/ 539) صحيح مرسل

(3) - سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 158)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت