قُلْتُ: فَلَمَّا جَرَتْ هَذِهِ الكَائِنَةُ اشتدَّ بُغْضُ النَّاسِ لِيَزِيْدَ مَعَ فِعْلِهِ بِالحُسَيْنِ وَآلِهِ، وَمَعَ قِلَّةِ دِيْنِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ أَبُو بلال مرداس به أُدَيَّةَ الحَنْظَلِيُّ، وَخَرَجَ نَافِعُ بنُ الأَزْرَقِ، وَخَرَجَ طَوَّافٌ السَّدُوْسِيُّ، فَمَا أَمْهَلَهُ اللهُ، وَهَلَكَ بَعْدَ نيف وسبعين يومًا. [1]
ثم توجه جيش يزيد إلى مكة لقتال ابن الزبير ومن معه، ولم يستطيعوا دخول مكة، وهزمهم ابن الزبير ومن معه، وفي أثنائها توفي يزيد ولم يستقر له حكم.
كما خرج في نجد نجدة بن عامر الحنفي في أهل اليمامة بعد قتل الحسين وخلع يزيد [2] .
لقد اضطربت أمور الدولة كلها بسبب الخطاب السياسي الجديد الذي استلب الأمة حقها في اختيار الإمام، ولذا كانت دعوة أهل المدينة إلى (الرضا والشورى) وكذلك كانت دعوة أهل مكة مع ابن الزبير إلى (الرضا والشورى) إذ هما المبدآن الرئيسان اللذان يقوم عليهما النظام السياسي في الإسلام، كما كان واضحا جليا في عهد الخلفاء الراشدين؛ وقد كانت الشورى كما فهمها الصحابة تعني الأمرين:
حق الأمة في اختيار الإمام، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ:"اعْقِلْ عَنِّي ثَلَاثًا: الْإِمَارَةُ شُورَى، وَفِي فِدَاءِ الْعَرَبِ مَكَانُ كُلِّ عَبْدٍ عَبْدٌ، وَفِي ابْنِ الْأَمَةِ عَبْدَانِ، وَكَتَمَ ابْنُ طَاوُسٍ الثَّالِثَةَ" [3] فلا شورى في الحكم الوراثي مهما كان عادلا، وحق الأمة في مشاركة الإمام في الرأي وأن لا يقطع أمر دونها؛ فلا شورى مع الاستبداد والإكراه السياسي فهذان الحقان هما المقصودان بشعار (الرضا والشورى) وقد قاتل أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل العراق، وأهل نجد؛ من أجل هذين المبدأين لمكانهما من الإسلام، إذ هما من أصوله وفرائضه وعزائمه التي يجب إقامتها، والدفاع عنها، وقد قال الإمام القدوة أبو حازم بن دينار لسليمان بن عبدالملك بن مروان: (إِنَّ آبَاءَكَ غَصَبُوا النَّاسَ هَذَا الْأَمْرَ، فَأَخَذُوهُ عَنْوَةً بِالسَّيْفِ مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ وَلَا اجْتِمَاعٍ مِنَ النَّاسِ، وَقَدْ قَتَلُوا فِيهِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَارْتَحَلُوا، فَلَوْ شَعَرْتَ مَا قَالُوا وَقِيلَ لَهُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: كَذَبْتَ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَخَذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمِيثَاقَ {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران:187] ) [4] .
كل ذلك قبل أن يطرأ التراجع الخطير في مفهوم الشورى في المرحلة الثانية؛ حيث تم اختزال معنى الشورى، فأصبحت الشورى قاصرة على مشاركة الأمة الإمام في الرأي؟! ثم تم اختزالها فإذا الشورى هي استشارة الإمام أهل الحل والعقد دون الالتزام؟! ثم تم اختزالها مرة ثالثة فإذا الشورى غير واجبة على الإمام، بل هي من الأمور المستحبة! إن شاء الإمام فعل وإن شاء ترك؟! ولا يمكن والحال هذه أن تقاتل الأمة الإمام لمجرد تركه أمرا مستحبا؟!
(1) - سير أعلام النبلاء ط الحديث (4/ 375)
(2) - البداية والنهاية ط هجر (11/ 608)
(3) - مصنف عبد الرزاق الصنعاني (5/ 446) (9760) صحيح
(4) - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 234) والمجالسة وجواهر العلم (8/ 149) (3456) وسنن الدارمي (1/ 499) (673) وتاريخ دمشق لابن عساكر (22/ 28 - 35) من طرق صحيح لغيره