يُحَسِّنُوْنَ لِلأُمَرَاءِ مَا يَقْتَحِمُوْنَ بِهِ مِنَ الظُّلمِ وَالعَسْفِ، وَيَقلِبُوْنَ لَهُمُ البَاطِلَ حَقًّا قَاتَلَهُمُ اللهُ أَوْ يَسكُتُوْنَ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى بَيَانِ الحَقِّ." [1] "
وكان الأوزاعي يكاتب الأمراء، ويحذرهم وينهاهم عن ظلم المسلمين، أو الاعتداء عليهم، أو التجاوز في العقوبة لمن أساء منهم، وكذلك يوصي بأهل الذمة، ويدافع عن حقوق الناس، ويطالب بإنصافهم وتوفيتهم حقوقهم.
لقد استمر العلماء في تصديهم لانحراف السلطة بعد ذلك؛ ففي بداية القرن الثالث، أراد المأمون الإعلان عن عقيدته في خلق القرآن، وحمل الأمة وإلزامها على ذلك؛ فلم يجرؤ على ذلك خوفا من تصدي يزيد بن هارون له وكان شيخ الإسلام في عصره وكان يقول: لولا مكان يزيد بن هارون لأظهرت القول بخلق القرآن.
وكان يزيد بن هارون يصدع بالقول بكفر هذا الرأي، مع علمه أن المأمون كان يقول به؟!
فلم يقدم المأمون على الإعلان عن هذا الرأي إلا بعد أن مات يزيد بن هارون.
وقد تأثر خطاه تلميذه أحمد بن حنبل وكان قد لزمه مدة فلما تم الإعلان عن هذا الاعتقاد تصدى أحمد للرد عليه، وسجن بسبب ذلك وضرب، وهدد بالقتل، وعرض على السيف، فلم يرجع عن رأيه في كفر هذا الاعتقاد.
وقد اجتمع أهل الحديث والفقه في بغداد لخلع الواثق لما أراد تعليم الصبيان في الكتاب هذا الاعتقاد، فأمرهم أحمد بن حنبل بالصبر وعدم الخروج.
وهذا دليل على أن فقهاء بغداد من أهل السنة كانوا يرون الخروج، لولا رفض الإمام أحمد بن حنبل.
وقد كان أحمد بن نصر الخزاعي الإمام الشهيد قد أعد العدة، وبايعه الناس سرا على خلع الواثق والأمر بالمعروف؛ سنة (231 هـ) فظفروا به وامتحنه الواثق في خلق القرآن، فلم يجبه فأمر به وصلب!!!
فكان أحمد بن حنبل يقول عنه: رَحِمَهُ اللَّهُ، مَا كَانَ أَسَخَاهُ لَقَدْ جَادَ بِنَفْسِهِ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. [2]
وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَذَكَرَهُ يَوْمًا فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ، وَقَدْ كَانَ لَا يُحَدِّثُ ; يَقُولُ: لَسْتُ أَهْلَ ذَاكَ. وَأَحْسَنَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ. [3]
لقد كانت مقاومة الإمام الجائر من أشهر القضايا في تلك العصور، حتى ادعى ابن حزم أنه مذهب أئمة المذاهب المشهورة في القرن الثاني، حيث قال: (("اتّفقت الْأمة كلهَا على وجوب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بِلَا خلاف من أحد مِنْهُم لقَوْل الله تَعَالَى {ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر} ثمَّ اخْتلفُوا فِي كيفيته"
(1) - سير أعلام النبلاء ط الحديث (6/ 552)
(2) - تاريخ بغداد ت بشار (6/ 397) والبداية والنهاية ط هجر (14/ 316)
(3) - البداية والنهاية ط هجر (14/ 316)