إِلَى الْقَضَاءِ فَامْتَنَعَ، فَقَالَ: أَتَرْغَبُ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ! فَقَالَ: لا أَصْلُحُ، قَالَ: كَذَبْتَ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَقَدْ حَكَمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيَّ أَنِّي لا أَصْلُحُ، فَإِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَلا أَصْلُحُ، وَإِنْ كُنْتُ صَادِقًا فَقَدْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنِّي لا أَصْلُحُ، فَحَبَسَهُ [1] .
مع أن للقاضي استقلاليته الكاملة في القضاء، إلا أن أبا حنيفة يرى أنهم أئمة جور، ولا يرى الدخول في أعمالهم، حتى لا يتم إضفاء الشرعية على سلطتهم؛ وقد عذب في ذلك، وظل في السجن حتى مات فيه سنة (150 هـ) وكان ذلك أيضا لوقوفه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن.
وقد رفض الأوزاعي أن يلي القضاء في الدولة العباسية؛ وكان ممن يرى المقاومة السلبية؛ اجْتَمَعَ الثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَعَبَّادُ بنُ كَثِيْرٍ بِمَكَّةَ فَقَالَ الثَّوْرِيُّ لِلأَوْزَاعِيِّ:، حَدِّثْنَا يَا أَبَا عَمْرٍو حَدِيْثَكَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بنِ عَلِيٍّ. قَالَ: نَعَمْ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ، وَقَتَلَ بَنِي أُمَيَّةَ جَلَسَ يَوْمًا عَلَى سَرِيْرِه، وَعَبَّأَ أَصْحَابَهُ أَرْبَعَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ مَعَهُمُ السُّيُوفُ المُسَلَّلَةُ، وَصِنْفٌ مَعَهُمُ الجَزَرَةُ أَظُنُّهَا الأَطبَارَ، وَصِنْفٌ مَعَهُمُ الأَعمِدَةُ، وَصِنْفٌ مَعَهُمُ الكافر كوب ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ فَلَمَّا صِرْتُ بِالبَابِ أَنْزَلُونِي، وأخذ اثنان بَعْضُدَيَّ، وَأَدخَلُونِي بَيْنَ الصُّفُوفِ, حَتَّى أَقَامُوْنِي مُقَامًا يُسْمَعُ كَلاَمِي, فَسَلَّمتُ. فَقَالَ: أَنْتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ? قُلْتُ: نَعَمْ أَصْلَحَ اللهُ الأَمِيْرَ. قَالَ: مَا تَقُوْلُ فِي دِمَاءِ بَنِي أمية? فسأل مسألة رجل يُرِيْدُ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا فَقُلْتُ: قَدْ كَانَ بَيْنَكَ، وَبَيْنَهُم عُهُودٌ. فَقَالَ:، وَيْحَكَ اجْعَلْنِي، وَإِيَّاهُم لاَ عَهْدَ بَيْنَنَا. فَأَجْهَشَتْ نَفْسِي، وَكَرِهَتِ القَتْلَ فَذَكَرتُ مُقَامِي بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ، وَجَلَّ فَلَفَظْتُهَا فَقُلْتُ: دِمَاؤُهُم عَلَيْكَ حَرَامٌ فَغَضِبَ، وَانْتَفَخَتْ عَيْنَاهُ، وَأَوْدَاجُهُ فَقَالَ لِي:، وَيْحَكَ، وَلِمَ? قُلْتُ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ:"لا يحل دم امرئ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلاَثٍ .. ثَيِّبٍ زَانٍ، وَنَفْسٍ بِنَفْسٍ، وَتَارِكٍ لِدِيْنِهِ"قَالَ:، وَيْحَكَ أَوَلَيْسَ الأَمْرُ لَنَا دِيَانَةً قُلْتُ:، وَكَيْفَ ذَاكَ? قَالَ: أَلَيْسَ كأن رسول الله -صلى الله عليه، وسلم- كَانَ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ? قُلْتُ: لَوْ أَوْصَى إِلَيْهِ مَا حَكَّمَ الحَكَمَيْنِ. فَسَكَتَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ غَضَبًا فَجَعَلْتُ أَتَوَقَّعُ رَأْسِي تَقَعُ بَيْنَ يَدَيَّ فَقَالَ: بِيَدِهِ هَكَذَا أَوْمَأَ أَنْ أَخْرِجُوْهُ فَخَرَجتُ فَرَكِبتُ دَابَّتِي فَلَمَّا سِرْتُ غَيْرَ بَعِيْدٍ إِذَا فَارِسٌ يَتْلُوْنِي فَنَزَلتُ إِلَى الأَرْضِ فَقُلْتُ: قَدْ بَعَثَ لِيَأْخُذَ رَأْسِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَكَبَّرْتُ فَجَاءَ، وَأَنَا قَائِمٌ أُصَلِّي فَسَلَّمَ، وَقَالَ: إِنَّ الأَمِيْرَ قَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ بِهَذِهِ الدَّنَانِيْرِ فَخُذْهَا. فَأَخَذتُهَا فَفَرَّقتُهَا قَبْلَ أَنْ أَدخُلَ مَنْزِلِي. فَقَالَ سُفْيَانُ:، وَلَمْ أُرِدْكَ أَنْ تَحِيْدَ حِيْنَ قَالَ لَكَ مَا قَالَ [2] .
وقال الذهبي:"قُلْتُ: قَدْ كَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَلِيٍّ مَلِكًا جَبَّارًا, سَفَّاكًا لِلدِّمَاءِ, صَعبَ المِرَاسِ، ومع هذا فالإمام الأزواعي يَصْدَعُهُ بِمُرِّ الحَقِّ كَمَا تَرَى لاَ كَخَلْقٍ مِنْ عُلَمَاءِ السُّوءِ الَّذِيْنَ"
(1) - تهذيب تحرير الإنسان وتجريد الطغيان (ص: 418) وتاريخ الإسلام ت بشار (3/ 994)
(2) - تهذيب تحرير الإنسان وتجريد الطغيان (ص: 424) وتاريخ الإسلام ت بشار (4/ 128) ومختصر تاريخ دمشق (14/ 332) وسير أعلام النبلاء ط الرسالة (7/ 122)