فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 232

جميع الأقاليم وظل يعقد اجتماعاته طوال ثلاثين سنة سرًا في مكة واستطاع سنة 132 هـ أن يصل إلى هدفه! [1]

وقد استفتى أهل المدينة مالك بن أنس في الخروج على أبي جعفر المنصور فأفتاهم بالجواز؛ لأن بيعته كانت تحت الإكراه ولا بيعة لمكره؛ وقد عذب مالك لهذا السبب!

إشارة:

عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ، قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا كِتَابَ بَعْدَ الْقُرْآنِ، وَلَا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنِّي لَسْتُ بِقَاضٍ وَلَكِنِّي مُنْفِذٌ، وَإِنِّي لَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ، إِنَّ الرَّجُلَ الْهَارِبَ مِنَ الْإِمَامِ الظَّالِمِ لَيْسَ بِظَالِمٍ، أَلَا إِنَّ الْإِمَامَ الظَّالِمَ هُوَ الْعَاصِي، أَلَا لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ" [2] "

لقد ظل علماء الأمة وفقهاؤها في مطلع القرن الثاني، يتصدون لانحراف السلطة، فمنهم من يدعو إلى الخروج عليها، ومنهم من يرى المقاومة السلبية، ورفض الدخول في أعمالها، وقد رفض كثير من العلماء تولي القضاء في تلك الفترة لهذا السبب، وقد أدرك الخلفاء ذلك.

قال عبد الرزاق: كان رجل صحب الثوري يقال له يوسف إلى صنعاء فلم يشعر إذ جاءته الولاية من أبي جعفر فقال له الثوري: ويحك يا يوسف شحطوك بغير سكين كيف إذا قيل يوم القيامة أين أبو جعفر وأتباعه قمت فيهم؟ [3]

وقد أبى سفيان أن يدخل على السلطان، وكان يرى عدم الدخول عليهم أو العمل لهم، وقد طالبوه للقضاء ففر منهم، وتوارى عنهم، وقد توفي مستخفيا في البصرة.

وقد كان العلماء يتأولون في رفضهم العمل لهؤلاء الخلفاء قول الله: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113] [4]

ويرون أن تولي القضاء لهم من الركون إليهم وإضفاء الشرعية على ولايتهم.

ولهذا عذب الخلفاء والأمراء كثيرا ممن رفض تولي القضاء، فقد قام ابن هبيرة أمير العراق في عهد بني أمية بتعذيب أبي حنيفة لرفضه تولي القضاء لهم؛ كما تعرض للتعذيب في عهد أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني، فعَنْ مُغِيثِ بْنِ بُدَيْلٍ، قَالَ: دَعَا الْمَنْصُورُ أَبَا حَنِيفَةَ

(1) - تهذيب تحرير الإنسان وتجريد الطغيان (ص: 415)

(2) - البداية والنهاية ط هجر (12/ 692) وتاريخ الإسلام ت بشار (3/ 122) وتاريخ دمشق لابن عساكر (45/ 172) صحيح

(3) - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/ 114) صحيح

(4) - لا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا. إلى الجبارين الطغاة الظالمين، أصحاب القوة في الأرض، الذين يقهرون العباد بقوتهم ويعبّدونهم لغير الله من العبيد .. لا تركنوا إليهم فإن ركونكم إليهم يعني إقرارهم على هذا المنكر الأكبر الذي يزاولونه. ومشاركتهم إثم ذلك المنكر الكبير. «فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» .. جزاء هذا الانحراف. «وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ» .. في ظلال القرآن للسيد قطب-ط 1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2572)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت