فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 232

وكان إبراهيم يلتقي بالنقباء في مكة بالحج، ويكاتبهم باستمرار، فلما وقع التراع بين بني أمية واضطربت شئونهم، أمر أتباعه بإظهار الدعوة والطاعة لبني العباس؛ فأظهرها أبو مسلم سنة (129 هـ) بمرو في خراسان، فأتاه الناس من كل حدب وصوب يبايعون، وعقدوا الراية وبثوا الدعاة في كل مكان.

وفي هذه السنة ألقى مروان بن محمد القبض على إبراهيم الإمام وسجنه، في دمشق بعد أن عثر على رسالة جوابية منه إلى أبي مسلم.

وفي سنة (130 هـ) سيطر أبو مسلم وأتباعه على خراسان، ثم توجهوا إلى العراق فسيطروا على الكوفة سنة (132 هـ)

وفي هذه السنة بويع لأبي العباس السفاح عبد الله بن محمد بن علي بن عبدالله ابن عباس بالخلافة في المدينة.

وقد كانوا يدعون إلى الرضا من آل البيت ولا يسمون أحدا بعينه حتى بايعوا السفاح.

وكان إبراهيم الإمام قد عهد إليه بالأمر من بعده سرًّا لما ألقي عليه القبض، وأمر أتباعه بالسمع والطاعة له، وأمره أن يترل بأهله الكوفة؛ فلما بلغهم خبر قتل مروان لإبراهيم في السجن، أظهروا الدعاء لأخيه السفاح، وبويع خليفة في هذه السنة، ثم التقى عمه عبدالله بن علي مع مروان بن محمد وكان النصر حليفه؛ وفرّ مروان إلى الشام، وتبعه عبدالله بن علي بن عبدالله بن عباس بجيشه حتى أخذ الشام وقتل مروان وبني أمية.

وهنا قامت دولة بني العباس على أنقاض دولة بني أمية؛ ليثبت بطلان نظرية الحسن البصري رحمه الله [1] ، بأن تغيير الواقع ورفع الظلم لا يكون بالقوة، وإنما بالتوبة، وأنه ما أفلح قوم خرجوا على إمامهم قط؛ وتأوّل لنظريته هذه، الآيات والأحاديث لإثباتها [2] .

لقد بدا الفرق واضحا والبون شاسعا بين حركات التغيير الارتجالية دون تخطيط وتحديد هدف كما فعل الأشعث ومن معه من القراء وبين حركة بني العباس التي بدأت سنة 101 هـ وظلت تعمل في الخفاء مدة ثلاثين سنة! كحزب سياسي منظم معارض له نقباؤه وفروعه في

(1) - قلت: كلام الحسن البصري رحمه الله يجب حمله على عصره والواقع الذي قد عاصره، وليس قانونا عاما، وقوله صحيح إذا كان الإمام صالحًا في أغلب أحواله، وسلمت له الأمة بذلك، يعني عند عدم القدرة على إزالته فيجب الصبر والتربص حتى يأتي الله بأمره.

عن الْحَسَنَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ الْحَجَّاجُ قَدْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْعَصْرِ , قَالَ: فَأَقْوِمْ إِلَيْهِ تَامُرْهُ بِتَقْوَى اللَّهِ , قَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ: إِنَّهُمْ إِذًا يَقْتُلُونِي قَالَ: فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَلَيْسَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79] قَالَ الْحَسَنُ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» , قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «يَتَكَلَّفُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُطِيقُ» مسند الحارث = بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (2/ 772) (773) صحيح

وقَالَ مُهَنًّا: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ، يَامُرُ بِالْمَعْرُوفِ بِيَدِهِ؟ فَقَالَ:"إِنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا بَاسَ بِهِ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَذِلَّ نَفْسَهُ بِأَنْ يُعَرِّضَهَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ» ؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال (ص: 23) صحيح

(2) - قلت: هذا فيه تجنٍّ على الحسن رحمه الله، ويجب حمل كلامه على ما ذكرنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت