أُعْطِيَهُ زَوْجَةً وَلَا وَلَدًا، وَلَا أَنْقُلُ مَالًا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى أَسُدَّ ثَغْرَ ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَخَصَاصَةَ أَهْلِهِ بِمَا يُعِينُهُمْ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ نَقَلْتُهُ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي يَلِيهِ مِمَّنْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ، وَلَا أُجَمِّرَكُمْ فِي ثُغُورِكُمْ فَأَفْتِنَكُمْ وَأَفْتِنَ أَهْلِيكُمْ، وَلَا أُغْلِقُ بَابِي دُونَكُمْ فَيَاكُلَ قَوِيُّكُمْ ضَعِيفَكُمْ، وَلَا أَحْمِلَ عَلَى أَهْلِ جِزْيَتِكُمْ مَا يُجْلِيهِمْ عَنْ بِلَادِهِمْ وَيَقْطَعُ نَسْلَهُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَعْطِيَاتِكُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَأَرْزَاقَكُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ، حَتَّى تَسْتَدِرَّ الْمَعِيشَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ أَقْصَاهُمْ كَأَدْنَاهُمْ، فَإِنْ أَنَا وَفَّيْتُ لَكُمْ بِمَا قُلْتُ، فَعَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ وَحُسْنُ الْمُؤَازَرَةِ، وَإِنْ أَنَا لَمْ أَفِ لَكُمْ، فَلَكُمْ أَنْ تَخْلَعُونِي إِلَّا أَنْ تَسْتَتِيبُونِي، فَإِنْ تُبْتُ قَبِلْتُمْ مِنِّي، وَإِنْ عَلِمْتُمْ أَحَدًا مَنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ يُعْطِيكُمْ مِنْ نَفْسِهِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتُكُمْ، فَأَرَدْتُمْ أَنْ تُبَايِعُوهُ، فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُبَايِعُهُ وَيَدْخُلُ فِي طَاعَتِهِ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ طَاعَةُ اللَّهِ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَأَطِيعُوهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ مَا أَطَاعَ، فَإِذَا عَصَى فَدَعَا إِلَى مَعْصِيَتِهِ فَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يُعْصَى وَيُقْتَلَ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ." [1] "
وقد تضمنت هذه الخطبة مبادئ الخطاب السياسي الراشدي، كإثبات حق الأمة في هذا الأمر، وحقها في خلع الإمام عند الانحراف، وحقها في أن تبايع من ترضاه وتشاء، وأنه لا طاعة لمن عصى، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وفيها إثبات حق الأفراد ونصيبهم في بيت المال من أعطياتهم السنوية وأرزاقهم الشهرية.
لقد كان الخلفاء الثلاثة الأمويون: معاوية بن يزيد، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن الوليد، ممن يؤمنون بضرورة العودة إلى العمل وفق مبادئ الخطاب السياسي الشرعي المترل؛ كردّ الأمر شورى بين المسلمين، وعدم استخلاف أحد دون رضاهم وشوراهم، وعدم قطع أمر دونهم وقسم المال بينهم بالسوية .... إلخ غير أن هؤلاء الخلفاء سرعان ما يتم التخلص منهم والقضاء عليهم؟!!
وفي هذه السنة (126 هـ) توفي محمد بن علي مؤسس الدعوة العباسية السرية، بعد 26 سنة من العمل السري، كحزب سياسي معارض، وتم اختيار ابنه إبراهيم بن محمد الإمام، وأرسل إبراهيم النقباء من أتباعه في خراسان بالوصية والسيرة؛ فقبلوه إماما، وأرسلوا إليه بالنفقات، ثم جاءوا سنة (127 هـ) إلى مكة، فقابلوا إبراهيم ودفعوا له الخمس.
وفي سنة (127 هـ) خرج بالكوفة عبد الله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، ثم خرج منها إلى الري وأصبهان وسيطر عليها.
وفي سنة (128 هـ) أرسل إبراهيم بن محمد الإمام أبا مسلم الخراساني سرًّا أميرا على أتباعه في خراسان، وأمرهم بالسمع والطاعة له، وفي سنة (129 هـ) أمر إبراهيم الإمام أبا مسلم الخراساني بإظهار الدعوة العباسية.
(1) - تاريخ دمشق لابن عساكر (74/ 123) والبداية والنهاية ط هجر (13/ 186) وتاريخ الإسلام ت بشار (3/ 568) وتاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (7/ 268) وتاريخ خليفة بن خياط (ص: 365) حسن