حديثه عن الجامع الأمويّ في دمشق فقد كتب تعريفًا مسهبًا عن مكانة المسجد ورسالته في الحياة فقال:".. وبعد؛ فإن من دأبي كلما ازدحمت عليّ المتاعب، وركبتني الهموم، وضاق صدري وانقبض قلبي، أن أمشي حتى أجد مسجدًا خاليًا، فأدخله فأصلّي ركعتين، وأقعد أشعر بسكون المسجد من حولي، وبجلال الحقّ من فوقي، حتّى أجد الطمأنينة والرضا، كأني نجوت من البحر الهائج إلى الجزيرة الآمنة، وتركت الصحراء المحرقة إلى الواحة الظليلة، وكأنّ ما كنت فيه من المشكلات، وما كان في صدري من الهموم قد ذهب كلّه، لما دخلت حمى الله، وصرت في بيته، واعتصمت به من الناس وشرورهم، ومن نفسي وسوئها، ومن الشيطان ووسواسه."
وإذا كان العرف الدوليّ على أن بيوت سفراء الدول الأجنبيّة قطع من بلادهم، ولو كانت في بلاد الناس، فإن بيوت الله رياض من رياض الجنّة، وإن كانت في هذه الدنيا، فمن دخلها كان ضيف الله، وكان جاره؛ فهي أبواب السماء المفتّحة دائمًا إن سدّت في وجوه البائسين اليائسين أبواب الأرض، وهي منار الهدى إن ضلّ بالسالكين الطريق، وإن كان في الدنيا الخير والشرّ فهاهنا الخير الذي لا شرّ معه، وإن كان فيها الحقّ والباطل فهاهنا الحقّ الذي لا باطل فيه.
ومن هنا تخرج الكلمة من حلوق المؤذّنين، وأفواه الخطباء والمدرّسين، فتمشي في الفضاء من فوق رءوس الملوك والكبراء، والأغنياء والأقوياء، كلّ يخضع لها، ويصغي إليها، لأنها كلمة الخالق، وإن جاءت على ألسنة ناس من المخلوقين.
هذه قلاع الإيمان في وجه الإلحاد، هذه حصون الفضيلة أمام الرذائل والشهوات.
والمسجد هو المعبد في الإسلام، وهو البرلمان، وهو المدرسة، وهو النادي، وهو المحكمة.