هو المعبد: يدع المسلمون أحقادهم ومطامعهم، وشرورهم وفسادهم على الباب، ويدخلون إليه بقلوب متفتّحة للإيمان، متطلّعة إلى السماء، متحلّية بالخشوع، ثمّ يقومون صفًّا واحدًا، يستوي فيه الكبير والصغير، والأمير والحقير، والغنيّ والفقير، أقدامهم متراصّة، وأكتافهم متزاحمة، وجباههم جميعًا على الأرض ساجدة، وقلوبهم متطلّعة إلى السماء، يستوون في شرف العبوديّة، وفي شرعة العبادة.
وهو البرلمان: ما دهى المسلمين أمر، ولا عرض لهم عارض، إلاّ نودي:"الصلاة جامعة.!"، فاجتمع الشعب في المسجد، ففي المسجد يكون انتخاب الخليفة، وفيه تكون البيعة، وفيه تبحث القوانين، تستمدّ من الشرع، ثمّ تعلن فيه على الناس.
والمسجد هو النادي: إن قدم أمير بلدًا كان أول ما يدخله من البلد المسجد، على منبره يعلن سياسته، ويذيع منهجه، وإن كانت حرب عقدت الرايات في المسجد.
والمسجد هو المدرسة: وفي المساجد وضعت أسس الثقافة الإسلاميّة، وفيها ارتفعت ذراها، وشيّدت صروحها، وكان يدرّس في المسجد كلّ علم ينفع الناس: من علوم القرآن، وعلوم السنّة، وعلوم الشريعة، وعلوم اللسان، وعلوم سنن الله في الأكوان، وكلّ علم تحتاج إليه الأمّة الإسلاميّة فإن تعلّمه فرض كفاية في نظر الإسلام، حتى الكيمياء والفيزياء والرياضيّات، ونجد بعد ذلك من تبلغ به الجهالة، أن يصم بالجمود دينًا يجعل تعلّم الكيمياء فرضًا، يكلّف به العباد.
والمسجد هو المحكمة: وعلى بسط المساجد وأمام أعمدتها وأساطينها أصدرت أعدل الأحكام وأجرؤها، وفيها سطّرت أروع صفحات القضاء البشريّ، ولطالما أقام القضاة فيها الجمّال والحمّال مع أمير المؤمنين، منها دعوى الجمّال على أمي رالمؤمنين المنصور أمام قاضي مكّة. والأجير والفقير مع الأمير الكبير،