فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 102

وأيّ برلمان كالمسجد.! ونوّابه هم: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ، السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ، الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ، وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (112) } [التوبة] .

برلمان يعرض فيه الحاكم سياسته، ويحدّد منهجه، ويناقشه الشعب، ويستجوبه، بلا حجر ولا خوف.!

وهل سمعنا خطبة سياسيّة جامعة موجزة لرئيس دولة، كالخطبة التي ألقاها أبو بكر - رضي الله عنه - يوم ولي الخلافة، فقال:"أيها الناس.! إني قد ولّيت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني، ألا إن أقواكم عندي الضعيف، حتى آخذ الحقّ له، وأضعفكم عندي القويّ حتى آخذ الحقّ منه، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله" [1] .

بيان ألقاه خليفة، يقول فلا يكذب، ويعد فلا يخلف، وسمعته أمّة تسمع ولا تنسى، وتحاسب فلا تخشى، وكيف يخلف الخليفة، أو تنسى الأمّة، وبرلمانها يعقد في كلّ يوم خمس جلسات، ولا يغلق بابه في عطلة أو إجازة.؟! وأيّ مجمع أو مؤتمر كالمسجد! يجمع خلاصة الحيّ في كلّ صلاة، وصفوة البلد في كلّ جمعة.؟!

وقد دعا الإسلام أبناءه إلى الجماعة، ليتعارفوا فلا يتناكروا، ويتقاربوا فلا يتباعدوا، ويتحابّوا فلا يتباغضوا، ويتصافوا فلا يتشاحنوا.

ولقد عرف أسلافنا قيمة المسجد، بوصفه مؤتمرًا حافلًا، فكانوا يعقدون فيه عقود زواجهم، امتثالًا للحديث الشريف: (أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفّ) [2] .

والمسجد أيضًا ميدان التطبيق العمليّ لقيم الإسلام ومبادئه، توضع في ساحته تعاليم الدين النظريّة، ومبادئه الإنسانيّة موضع التنفيذ، لتتحوّل إلى صور واقعيّة حيّة، ونماذج إنسانيّة مثلى، تكون بحدّ ذاتها صورة محبّبة بالإسلام، ودعوة عمليّة إليه.

فقد كان من مزايا هذا الدين الخالد، أنه لم يجعل مبادئه فكرة نظريّة مجرّدة في الرأس، أو كلمات تجري على اللسان، ولكّنه ربطها بحياة المسلم ونظامه اليوميّ ربطًا لا ينفكّ عنه.

فالحرّية والإخاء والمساواة، التي جاء بها الإسلام قبل الثورة الفرنسيّة باثني عشر قرنًا، تراها في المسجد حقائق عمليّة، وأعمالًا واقعيّة، تعلن عن نفسها في علاقات المؤمنين ببعضهم بعضًا، بلا صوت، ولا حرف، ولا ضجيج [3] .

وفي المسجد تختفي فوارق المكانة والثروة، والجنس واللون، ويعمّ أرجاءه جوّ قشيب من المساواة والإخاء والمحبّة، وإنها لنعمة كبرى أن يكون في قدرة الإنسان أن يتمتّع في اليوم خمس مرّات بجوّ من السلام التامّ وسط عالم يسوده الصراع والتنازع، وبجوّ من المساواة في عالم يقوم على التمايز والتباين، وبجوّ من

(1) ـ تاريخ الخلفاء للإمام السيوطيّ ص/69/ نقلًا عن ابن إسحاق في السيرة

(2) ـ رواه الترمذيّ /1009/ وابن ماجه /1885/ كلاهما في كتاب النكاح، وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب، وضعّفه البيهقيّ، انظر إحياء علوم الدين 2/ 42، وحاشية ابن عابدين 2/ 8 وشرح صحيح الترمذي لابن العربيّ 4/ 311 وفيض القدير شرح الجامع الصغير 2/ 11.

(3) ـ من كتاب:"العبادة في الإسلام"، للدكتور يوسف القرضاويّ، ص/246 ـ 247/.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت