فكان المنبر بذلك أشبه بالعرش يلقي منه الحاكم بيانَ سياسة الدولة كما هو الحال في النظم الدستوريّة اليوم.
ونسْتطيع أن نضيف إلى ما تقدّم: أن المساجد كانت تسْتخدم منذ ظهور الإسلام لاجتماع العلماء فيها، كما اتّخذها علماء التفسير والحَديث مقرًّا لهم، ثمّ استخدِمت المساجد معاهد للتعلِيم، يتلقّى فيها الأَطفال اللغة العربيّة وأصوْل الدين، كما تّخذها القُضاة مكانًا لعقد جلساتهم، وصفوة القول أنّه لمّا لم يمكن الفصل بين السياسةِ والدين، كان المسجد المكانَ الذي تذاع فيه الأخبار الهامّة التي تتعلّق بِالصالح العَامِّ.
وقد ذكر سير توماس أرنولد أنَّ المساجد سرعانَ ما فقدت أهمّيّتها السياسيّة والاجتماعيَّة، فَلم تَعد تمثّل عرش الخَليفة، وكُرسيّ الوالي، ولا منصّة القاضي، وغدا عمل المساجد مقْصورًا على إقامة الصلوات، يمجّد فيها اللهُ، ويُصلّى على النبيّ، ويترحّم على الصحابة، ويدعَى للخليفة باعتباره نائبًا عن رسول اللهُ، في المحافظة على الدين، ولَم يبْق فيها منْ مظاهرِ السياسة إلاّ ذكر اسم الخليفة في الخطبة، ليكون ذلِك اعترَافًا من الولايات الإسلاميّة بِسلطة الخليفَة الاسميَّة.
وغير خاف أنّ المساجد كانت كمعاهد العلم اليوم، تدرّس فِيها العلوم الدينِيّة والعربيَّة والعقليّة" [1] ."
(1) ـ نقلًا عن كتاب:" تاريخ الإسلام السياسيّ وَالدينيّ والثقافيّ والاجتماعيّ"4/ 336/ د. حسن إبراهيم حسن."