أيضًا .. وتعطّلت بذلك المقاصد العامّة، والحكم التشريعيّة لتكليف العباد بأداء الزكاة ..
وألخّص ملاحظاتي على هذه الفتوى، التي شاعت بين الناس، سواء ما يتّصل منها بالمصارف العامّة، أو ما يخصّ بناء المساجد، في النقاط التالية:
ـ النقطة الأولى: أنّ هذا الأمر لا ينضبط التوسّع فيه، وكلّ توسّع فيه يكون على حساب الأصناف المنصوص عليها في آية المصارف، وهي أولى بالرعاية والاعتناء، وبخاصّة الفقراء والمساكين.
ـ النقطة الثانية: أنّ أبواب المصالح العامّة تستنفد خزائن الدول وميزانيّاتها، فأيّ مال يبقى بعدها للفقراء والمساكين.؟
ـ النقطة الثالثة: أنّ في صرف أموال الزكاة في هذه الوجوه تعطيلًا للمقصد الأساس من مقاصد الزكاة، ألا وهو سدّ خلل المجتمع، بتقريب الفوارق بين فئاته، وتحقيق الكفاية لأبنائه، والقضاء على ظاهرة الفقر، التي كانت ولم تزل الهاجس الخطير، الذي يتهدّد الأمم والشعوب، ويتحدّى الحكومات والدول، وقد نجح الإسلام بنظامه الربّانيّ في القضاء عليها، وإنقاذ الأمّة من ويلاتها، على أنّ أبواب الخير، وسبل البرّ واغتنام الأجر مشرعة مفتوحة، وليس من شأن المؤمن أن يقف عند الزكاة، أو يقتصر عليها، ولكنّ النفوس ـ وقد جبلت على الشحّ ـ عندما تجد مساغًا لدفع الزكاة في هذه السبل، تكتفي بها، وتنساق ما وراء ما تمليه عليها أهواؤها ..
نعم قد تكون فسحة في صرف مكافآت الأئمّة والمؤذّنين والعاملين في المساجد من مال الزكاة، إن لم يكن للمسجد مورد ماليّ من وقف، أو جهة تنفق عليه، ولم يتبرّع أحد من المحتسبين بالقيام بهذه الوظائف، وخشي تعطّل إقامة الشعائر الشرعيّة، أمّا بغير هذه القيود فلا.