ـ والأخيرة: لعلّ المضاعفة بهذا القدر لصلاة الجماعة على صلاة الفرد جاءت لكونها في المسجد، فهي تستحقّ أعلى الدرجات، وأكثر المضاعفات، أما لو صلّى جماعة في بيته أو سوقه فمن المعقول أن ينال عشر درجات، إذ الحسنة بعشر أمثالها، ثمّ كان لا بدّ من فضل خاصّ، ومزيّة ظاهرة لصلاة الجماعة في المسجد على صلاة الفرد جماعة في بيته أو سوقه فكان لها زيادة خمس عشرة درجة، أو سبع عشرة درجة، لأن مقصود الشارع أن تقام في المساجد، وأن تعمر بها المساجد، وأن يتجلّى في إقامتها فيها من حقائق الدين ومبادئه، ما لا يكون لإقامتها في غيرها، والله أعلم.
ثمّ لا يخفى أن المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد سبيل إلى تحقيق عمارة المساجد، وإحياء رسالتها في الحياة، وبثّ روحها في الأمّة، إذ إنّ المسجد في الإسلام ليس مكانًا لأداء الصلوات الخمس فحسب، بل هو المركز الأوّل من مراكز التعليم والتوجيه، والمعقل الأوّل من معاقل الهداية والإرشاد، والميدان الأوّل من ميادين الدعوة إلى الله تعالى، وجمع الأمّة على كلمة سواء.
ـ واتّجه الإمام الدهلويّ اتّجاهًا آخر في توضيح سرّ مضاعفة الأجور في صلاة الجماعة، وتأويله إلى هذا العدد، فقال:"منافع الجماعة ترجع إلى ثلاثة أقسام:"
أ ـ ما يرجع إلى نفع نفسه من تهذيبها، وظهور الصفات الملكيّة، وقهر البهيميّة.
ب ـ وما يرجع إلى الناس من شيوع السنّة الراشدة فيهم وتنافسهم فيها، وتهذيبهم بها، واجتماع كلمتهم عليها.
ج ـ وما يرجع إلى الملّة المصطفويّة من بقائها غضّة طريّة، لم يخالطها التحريف، ولا التهاون.