حكاه عنهم، وهو من الإخبار بالغيب بالنسبة إلى بني آدم، وأكّد ذلك بقوله: [عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ] [1] الآية فلمَّا تضمن ذلك ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه ارتضاه، ورفع درجته بذلك، ناسب ذلك أمره بشكر ربه على نعمه عليه بقيام الليل، وذِكر اسمه والتبتل إليه، واتخاذه وكيلا، والصبر على أذى قومه، فإنه سهل بالنسبة لأنعمه عليه.
قد يُقال: لمَّا خاطبه في تلك بالمزمل، خاطبه فيما يليها بالمدثر، لما بينهما من اتحاد المعنى، ومقدار السورة، وأيضا لمَّا ذكر في آخر المزمل قيام الليل، والليل مظنة استعمال الدثار غالبا، خاطبه بصفة التدثير؛ تحريضا على ترك النوم، والقيام فيما هو بصدده من أعباء الرسالة، ولذلك حضّ على القيام، والمراد انتهاض.
قد يُقال: لمَّا ذكر في المدثر ما ذكره من أحوال القيامة، وصفة النار وأهلها، وإعراض المشركين عن التذكرة بها وبغيرها، وأنهم لا يخافون الآخرة، أقسم على وقوع القيامة وتحقيقها، وذكر صفاتها، وأقام الدليل في آخر السورة على قوَّته عليها بقوله: [أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً] [2] الآية.
قد يُقال: لمَّا ختم تلك بابتداء خلق الإنسان، وقدرته على خلقه وتسويته، ابتدأ هذه بذكر خلق الإنسان بعد أن لم يكن / شيئا، والإنسان هنا إمَّا 14 أ للجنس، أو لآدم عليه السلام، والمراد الدلالة على قدرته على إعادته كما أنشأه بعد أنْ لم يكن شيئا.
(1) الجن: [عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) ]
(2) القيامة 37، والآية بتمامها: [أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى] .