إشارة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، وقال / الإمام 17 ب فخر الدين: كأنه تعالى يقول: لمَّا أمرتك في السورة المتقدمة بمجاهدة جميع الكفار بالتبري منهم، وإبطال دينهم، جزيتك على ذلك بالنصر والفتح، وتكثير الأتباع.
قال: وجه آخر: وهو أنه لمَّا أعطاه الكوثر، وهو الخير الكثير ناسب تحميله مشقة تُناسب مقامه، فإنّ كل ما علا مقام الإنسان كثرت مشقاته وتكاليفه، فعاقبها بمجاهدة الكفار بالتبري، فلما امتثل ذلك أعقبه [1] بالبشارة بالنصر والفتح، وإقبال الناس أفواجا إلى دينه، وأشار إلى دنو أجله، فإنه ليس بعد الكمال إلاّ الزوال. توقع زوالا إذا قيل تم [2] .
قال الإمام [3] : وجه اتصالها أنه لمَّا قال: [لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ] [4] فكأنه قال: إلهي، وما جزائي؟ فقال الله له: النصر والفتح، فقال: فما جزاء عمِّي الذي دعاني إلى عبادة الأصنام؟ فقال: [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ] [5] ، وقدم الوعد على الوعيد؛ ليكون الوعد متصلا بقوله: [وَلِيَ دِينِ] ، والوعيد راجعا إلى قوله: [لَكُمْ دِينُكُمْ] على حدِّ [يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ] [6] .
قال: فتأمل في هذه المجانسة الحافلة بين هذه السور، مع أنّ سورة النصر من أواخر ما نزل بالمدينة، والكافرون وتبت من أوائل ما نزل بمكة؛ ليُعلم أنّ ترتيب هذه السور من الله وبأمره.
(1) كتب: عقبه
(2) عجز بيت من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين رضي الله عنه، انظر الكشكول للعاملي، ص 1261 / الموسوعة الشعرية:
حلاوة دنياك مسمومة ... فما تأكل الشهد إلا بسم
فكن موسرًا شئت أو معسرًا ... فما تقطع الدهر إلا بهم
إذا تم أمر بدا نقصه ... توقع زوالًا إذا قيل تم
(3) يعني فخر الدين الرازي. انظر مفاتيح الغيب 32/ 153
(4) الكافرون 6
(5) المسد 1
(6) آل عمران 106