قال: وجه آخر: وهو أنه لمَّا قال: [لكم دينكم ولي دين] فكأنه قيل: إلهي ما جزاء المُطيع؟ قال: حصول النصر والفتح، قيل: وما ثواب / 18 أ العاصي [1] ؟ قال: الخسار في الدنيا، والعذاب في العُقبى، كما دلَّتْ عليه سورة تبت.
قال بعضهم: وُضعت هنا للوزان في اللغظ بين فواصلها ومقطع سورة تبت، وأقول: ظهر لي أنّ هذه السورة متصلة بـ [قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ] [2] في المعنى، ولذلك من أسمائها أيضا الإخلاص، وقد قالوا: إنها اشتملت على التوحيد، وهذه اشتملت عليه، ولذا قرن بينهما في القراءة في صلوات كثيرة، كركعتي الفجر، والطواف، والضحى، وسُنَّة المغرب، وصبح المسافر، ومغرب ليلة الجمعة، وذلك أنه لمَّأ نفى عبادة ما يعبدون، صرّح هنا بلازم ذلك، وهو أنّ معبوده أحد، وأقام الدليل عليه بأنه صمد [لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ] [3] ، ولا يستحق العبادة إلاّ من كان كذلك، وليس في معبوديهم مَن هو كذلك، وإنما فصّل بين النظيرتين بالسورتين لما تقدم من الحكمة، وكان في ايلائها سورة تبت رد عليه بخصوصه.
قد يُقال: هاتان السورتان نزلتا معا كما في الدلائل للبيهقي، فلذلك قرنتا مع ما اشتركا فيه من التسمية بالمعوذتين، ومن الافتتاح بقل أعوذ، وعقب بهما سورة الإخلاص، لأنّ الثلاثة سميت في الحديث بالمعوذات [4] ، وبالقواقل، وقُدِّمت الفلق على الناس، وإنْ كانت أقصر؛ لمناسبة مقطعها في الوزان لفواصل الإخلاص مع مقطع تبت.
قال مؤلفه خاتمة الحفاظ والمُحدِّثين، الشيخ جلال الدين أبو الفضل /18 ب عبد الرحمن السَّيُوطي، الشافعي: وهذا آخر ما منَّ الله به عليّ من استخراج
(1) كتب ذا العاصي.
(2) الكافرون 1
(3) الإخلاص 3، 4
(4) جاء في البخري 12/ 462 / قرص الموسوعة الشاملة: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا.