/ قد يُقال: لمَّا ذكر تعالى في سورة قريش: [أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ] [1] ذكر 17 أ هنا ذمّ من لم يحض على طعام المسكين، ولمَّا قال هناك: [فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] [2] ذمّ هنا من سها عن صلاته.
قال الإمام فخر الدين الرازي [3] : هي كالمقابلة التي قبلها، لأنّ السابقة وصف الله سبحانه فيها المنافق بأربعة أمور: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع الزكاة، فذكر في هذه السورة في مقابلة البخل [إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ] [4] أي الخير الكثير، وفي مقابلة ترك الصلاة [فَصَلِّ] [5] ، أي دم عليها، وفي مقابلة الرياء [لِرَبِّكَ] لا للناس، وفي مقابلة منع الماعون [وَانْحَرْ] ، وأراد به التصدّق بلحوم الأضاحي، قال: فاعتبر هذه المناسبة العجيبة [6] .
قد يُقال: وجه اتّصالها أنه تعالى لمَّا قال: [فَصَلِّ لِرَبِّكَ] أمره أنْ يخاطب الكافرين بأنه لا يعبد إلاّ ربه، ولا يعبد ما يعبدون [7] ، وبالغ في ذلك فكرره [8] ، وانفصل منهم على أن لهم دينهم، وله دينه.
قد يقال: وجه اتصالها أنه لمَّا قال في آخر السورة: [وَلِيَ دِينِ] [9] كان فيه إشعار بأنه خلص له دينه، وسلم من شوائب الكدر والمخالفين، فعقّب ببيان وقت ذلك، وهو مجيء الفتح والنصر، فإنّ الناس حينئذ دخلوا في دين الله أفواجا، وتم الأمر، وذهب الكدر، وخلص دين الإسلام ممن كان يناوئه، ولذلك كانت السورة
(1) قريش 4
(2) قريش 3
(3) محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين بن علي التميمي البكري الرازي المعروف بفخر الدين الرازي أو ابن خطيب الري. وهو عالم موسوعي امتدت بحوثه ودراساته ومؤلفاته من العلوم الإنسانية اللغوية والعقلية إلى العلوم البحتة في: الفيزياء، الرياضيات، الطب، الفلك. وله تفسير للقرآن الكريم (مفاتيح الغيب) . توفي بهراة، ودفن بظاهر هراة عند جبل قريب منها عام 606 هـ
(4) الكوثر 1
(5) الكوثر 2، والآية بتمامها: [فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ] .
(6) تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) 32/ 110
(7) كتب يعبدوه
(8) كتب تكرره.
(9) الكافرون 6