أحدهما: أن يحصل في موضع لا يجد منه تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه، وكلا المعنيين مراد بالآية لاحتمالهما، وبين حدود أو مقدار الضرورة في قوله تعالى:"فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ"فعلق الإباحة بوجود الضرورة، ولا الاعتبار في ذلك بسد الجوعة؛ لأن الجوع عند الابتداء لا يبيح كل الميتة إذا لم يخف ضررًا بتركه، والمراد من قوله:"غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ"باغ ولا عاد في الأكل، ومعلوم أنه لم يرد الأكل منها فوق الشبع.
وقال ابن عطية: للباغي بالأكل فوق حاجته، فيجيء أكله شهوة والعادي أكل ونحوها مع وجود غيرها. وقال ابن جزي: الضرورة خوف الموت لا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت، ويكفي حصول الخوف من الهلاك ولو ظنًّا. وقال ابن قدامة: يباح له أكل ما يسد الرمق ويأمن معه الموت بالإجماع، ويحرم ما زاد على الشبع بالإجماع، وفي الشبع روايتان أظهرها: لا يباح، وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد القولين للشافعي، والثانية: يباح له الشبع، ثم قال: والضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل. قال أحمد: إذا كان يخشى على نفسه، سواء كان من جوع أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي وانقطع عن الرفقة فيهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك، ولا يتقيد ذلك بزمن محصور.
ومن هنا يتبين أن إباحة المحرم تكون حال الضرورة إذا توافرت شروطها، أخصها:
-أن يخشى فوات نفسه أو عضو من أعضائه ولا يتقيد الحكم في الأكل؛ بل في كل ضرورة.
-أن الضرورة تقدر بقدرها، ولا يتوسع إلا الملاذ والتشهي والتزود.
-أنه إن وجد مخرجًا غير ارتكاب الحرام لم يحل له المحرم، كأن يجد من يقرضه مالًا أو طعامًا أو يشتري بالدَّين ونحو ذلك.