وفرض المسألة كما ذكره- رحمه الله- أن يعم الحرام طبق الأرض كلها، وأن تفسد المكاسب كلها، وأن لا يجد الناس إلى طلب الحلال سبيلًا! والسؤال الذي طرحه في هذه الحالة: هل يقف الناس في هذه الحالة عند حدود ما يسد الرمق ويدفع عنهم غائلة الموت، أم إن لهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة؟! واختيار الثاني أمر بدهي؛ لأن في الاقتصار على الضرورات فحسب في مثل هذه الحالة «سقوط القوى وانتكاث المرر، وانتقاض البنية، وما يؤدي إليه ذلك من ارتفاع الزرع والحراثة وطرائق الاكتساب وإصلاح المعايش التي بها قوام الخلق قاطبة، وقصاراه هلاك الناس أجمعين، ومنهم ذو النجدة والبأس وحفظة الثغور من جنود المسلمين، وإذا هم وهنوا وضعفوا واستكانوا استجرأ الكفار وتخللوا ديار الإسلام، وانقطع السلك وتبتر النظام» (الغياثي: 476 - 478) .
فتأمل- رحمك الله- هذه الضوابط التي ذكرها هذا الإمام الجليل.
فالحاجة عنده لا تعني مجرد التشوف إلى الشيء أو التشوق إليه.
والحاجة عنده لا تعني الانتفاع والترفه والتنعم.
وإنما الحاجة عنده تعني دفع الضرار، واستمرار الناس على ما يقيم قواهم.
أن يؤدي فواتها إلى هذه المفاسد التي أشار إليها أو قريب منها في الحال أو في المآل.
وفرض المسألة أن يعم الحرام طبق الأرض كلها، وأن تفسد المكاسب كلها، وأن لا يجد الناس إلى طلب الحلال سبيلًا!
كيف طبق الجويني- رحمه الله- هذه القاعدة في باب المساكن على وجه التحديد:
حاجة الرجل إلى المسكن حاجة ماسة:
ولم يفته- رحمه الله- أن يتحدث عن المساكن بصفة خاصة فقال: «فأما المساكن فإني أرى مسكن الرجل من أظهر ما تمس إليه حاجته، والكن الذي يؤويه وعيلته وذريته مما لا غناء به عنه» .