فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 148

أما الحديث الأول فمروي عن عدد من الصحابة، ففي الصحيح: مروي عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر رضي الله عنهم [[38، أما الحديث الثاني فهو مروي فقط عن أبي هريرة [39] .

ومحل الشاهد هنا هو أن الحديث الأول ينفي أن يكون هناك عدوى، بينما يثبت الآخر العدوى وقد رفع ابن الصلاح وغيره هذا التناقض بأن وجه الجمع بينهما، أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، ولكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببا لإعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك بسببه كما في سائر الأسباب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قصد نفي ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن ذلك يعدي بطبعه، أما في الحديث الثاني فقد أعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن الله جعل ذلك سببا لذلك وحذر من الضرر الذي يغلب وجوده بفعل الله سبحانه وتعالى [40] .

هكذا ارتأى ابن الصلاح الجمع بين هذين الحديثين، دون النظر إلى اختلاف الروايات واضطرابها، ولو كان الأمر كما ارتأى؛ لوجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يوضح للصحابة أن كل شيء عبارة عن سبب ومسبب، وقد يتخلف السبب عن المسبب إذا شاء الله عز وجل، فقد جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، إلا أن تخصيص العدوى بتلك الحكمة لا دليل عليها، وخصوصا قد رُوي حديث أبي هريرة وحده من عدة وجوه بين زيادة ونقص، منها:"لا عدوى ولا صفر ولا هامة"، ومنها"لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر"، ومنها"لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد"، وهذه الرواية الأخيرة ينقض آخرها أولها، إذ أول الحديث يثبت لا عدوى، ونهايته يأمر بالفرار من المجذوم خشية العدوى [41] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت