فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 148

فهذا ظاهره أنهم تركوا التداوي بالكي توكلا على الله.

ولكن يحتمل أن صفة التوكل في الحديث ليست متعلقة بالأمور الثلاثة، وهي ترك الاسترقاء والتطير والاكتواء، بل هي أمر رابع مستقل مضاف إلى الثلاثة، فلا تنافي أصلا.

ويحتمل- وهو الأوجه - أنه لما كان الكي منهيا عنه، لما فيه من التعذيب بالنار، فقد أمرنا بتركه والبحث عما سواه من أنواع المداواة، مع التوكل على الله في أن ييسر دواء آخر. قال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه"لم يتوكل من اكتوى"والثاني كي الجرح إذا نغل أي فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي يشرع التداوي له. فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى، لما فيه من التعذيب بالنار لأمر غير محقق.

وثانيهما: حديث في الكي أيضا، وهو ما رواه المغيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من استرقى أو اكتوى برئ من التوكل"رواه أحمد والترمذي. والقول فيه شبيه بما تقدم.

ونقل ابن حجر في موضع آ خر، بعض كلام من أوغل في هذا الباب، وادعى أن خواص الأولياء الذين اشتد توكلهم لا يضرهم ترك الأسباب. وأن الأسباب وفوض وأخلص في ذلك كان أرفع مقاما، أي ممن باشرها، وأن الذي يستحق اسم التوكل هو من لم يخالط قلبه شيء، حتى من المع الضاري، والعدو، ومن لم يسع في طلب رزق، ولا مداواة ألم.

وعندي أن هذا من أعظم الانتكاسات التي طرأت على العقلية الإسلامية بتأثير ثقافات الشعوب التي دخلت في الإسلام، والتي أدت إلى التواكل، والانصراف عن الأخذ بأسباب الصحة والقوة والتقدم والنصر، اعتمادا على وضع فكرة التوكل في غير موضعها. وأصبح ذلك في الأمة الإسلامية مرضا مزمنا عر علاجه، وأيس منه الأطباء، إلا من شاء الله له أن يستمسك بالكتاب والسنة الصحيحة، عالما أن الحق كل الحق فيما ورد فيهما بعد أن يفهما حق الفهم، والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت