فكل ذلك يشير إلى أن الطب من حيث الأصل مشروع، والتداوي مطلوب شرعا، فليس هو حراما، ولا يخالف عقيدة الإسلام ولا شريعته. وذلك واضح من القواعد الشرعية العامة أيضا، فإن الشريعة تأمر بالسعي في أسباب المصالح، ودرء المفاسد، وتوقي الأضرار والمهلكات.
لكن هل التداوي في حيز الواجبات، أو حكم المستحبات، أو حكم المباحات؟
حكم التداوي:
اختلف العلماء في حكم التداوي لمن به مرض:
فذهب الشافعية إلى أنه سنة، واحتجوا بالحديث المتقدم"ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء"وقالوا: قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
قالوا: ولا نقول بوجوبه، لأنه لا يقطع بنفعه، أي بخلاف الطعام والشراب لمن هو في مخمصة وخشي الهلاك، فإنه يجب عليه تناوله لأنه مقطوع بنفعه.
لكن قال الأسنوي من الشافعية: يحرك ترك التداوي في جرح يظن فيه التلف ونحو ذلك. (44) أي لأنه لو كان جرحا بالغا وتركه ينزف لمات منه، وربط الجرح حينئذ نافع يقينا أو شبه اليقين. وقد داوى النبي صلى الله عليه وسلم جرحه يوم أحد. غير أن بعض الفقهاء، منهم النووي في شرح المهذب، ادعوا أن ترك التداوي توكلا أفضل. وقال بعضهم: التداوي لضعيف التوكل، وترك التداوي لقوي التوكل أفضل.
وهذا لا يستقيم مع ما علم قطعا أن النبي صلى الله عليه وسلم تداوى مرات كثيرة، وأنه كانت وفود العرب ترد عليه، وتنعت له الأدوية، فتصنعها له عائشة، كما تقدمت الرواية بذلك، وهو أقوى المتوكلين بلا شك. وقد قدمت قول ابن حجر إنه لا منافاة أصلا بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل.
ولم يرد في القرآن فيما نعلم ما يفيد المنافاة المذكورة.
وورد في السنة في باب الطب حديثان ظاهرهما يفيد ذلك:
أولهما: حديث عمران بن حصين عند أحمد والبخاري ومسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، ثم قال:"هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون".