إن هذه الأقوال إذا دلت على شيء، فإنها تدل على قواعد المحدثين في نقد المتن، والذي يتصل تماما بنقد السند، وأن علاقة عدم التلازم بينهما قد ردها ابن الصلاح [6] ، وإلا لأدى بنا الخوض في هذه المسألة إلى نتيجة خطيرة، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خالف العلم في كثير من الأحاديث، وهو ما تبناه بعض العلماء، وأخرج تلك الأحاديث من ساحة الوحي كما سيأتي تفصيله بعد قليل.
ولكن لو تأملنا تعقيب الحافظ العراقي على تعريفه للحديث الصحيح، لما لجأنا إلى هذا الاحتمال، إذ يقول:"حيث يقول أهل الحديث: هذا حديث صحيح، فمرادهم فيما ظهر لنا، عملا بظاهر الإسناد، لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر؛ لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، هذا هو الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم خلافا لمن قال: إن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر" [7] .
وهذا يعني أن احتمال الخطأ والنسيان على الراوي وارد في بعض الأحاديث التي وسمت بالصحة ظاهرًا، ولا مانع من تفعيل هذه القاعدة في بعض الأحاديث التي خالفت العلم وكان هناك تعسف في تأويلها أو لا دليل عليها؛ لأن الأصل توافق العلم مع الحديث الشريف.
فمن خلال ما سبق يمكن أن نخلص إلى أن ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث طبية قد خالفت العلم وظاهرها الصحة؛ يحكم عليها بعدم الصحة حسب استثناءات المحدثين، فهي خرجت عن نطاق الوحي والسنة، أما ما صح منها ولم يخالف العلم فيمكن أن تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الوحي.