فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 148

إلا أن ابن خلدون قد سلك منهجًا مغايرًا لما نص عليه المحدثون في أحاديث الطب، فإنه صح عنده نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها -عنده- ليست من الوحي في شيء، وإنما هي أمر عادي للعرب، ووقع ذكرها في ذكر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنه صلى الله عليه وسلم إنما بُعث ليعلمنا الشرائع، ولم يُبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات، وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع، وبناء على ذلك لا ينبغي أن يحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنه مشروع إلا على جهة التبرك [8] .

ولقد لاحظ بعض علماء الغرب الذين أسلموا -وهو موريس بوكاي- الفرق بين دقة المعلومات في القرآن ودقتها في الحديث فقال:"لقد قمت بالمقارنة بين الملاحظات التي خرجت بها من دراسة الأحاديث وبين الملاحظات التي عرضتها من قبل فيما يختص بالقرآن والعلم الحديث، وكانت نتيجة هذه المقارنة مهمة جدًّا؛ لأن الفرق قد ظهر واضحًا ومدهشًا بين دقة المعلومة القرآنية وصحتها في حالة مقارنتها بمعطيات العلم الحديث، كلما كانت المعلومة راجعة إلى العلوم الكونية، وبين قابلية النقد الواضحة لبعض معلومات الحديث المتعلقة بموضوعات تدخل في صميم الميدان العلمي" [9] .

وفي موضع آخر تبنى بوكاي مذهب ابن خلدون، أو اجتهد من عند نفسه، ليقرر أن ما كان من أحاديث في أمور الدنيا مما لا علاقة لها بالدين، فهي قد تكون أحاديث صحيحة، ولكن ما دامت أمرًا من الأمور الدنيا، فلا فرق عندئذ بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين غيره من البشر [10] .

وقد اقترح أحمد أمين ضابطا للأحاديث الطبية، وذلك بعرضها على العلم التجريبي والتحليل الكيماوي مع الاستقراء، كوسيلة للنقد الداخلي للحديث، إلى جانب النقد الخارجي [11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت